يجب أن يكون إيمان دراجي القوي بالنزعة الأطلسية سببا في تعزيز إيمان المجلس الأوروبي بأسره بها، حيث يعمل بشكل خاص كقوة موازنة وملطفة تجاه ميركل، التي تضع في بعض الأحيان المصالح التجارية الألمانية مع روسيا وغيرها من القوى قبل العلاقات عبر الأطلسي والأمن الأوروبي. وكلما ازداد نفوذ دراجي في مثلث القوى الأوروبي - ويبدو أن ولايته كرئيس للبنك المركزي الأوروبي تمنحه قدرا كبيرا من النفوذ تجاه ميركل - كان الاتحاد الأوروبي أكثر صرامة في التعامل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فضلا عن الحكام المستبدين المحليين في أوروبا من أمثال فيكتور أوربان في المجر، وياروسواف كاتشينسكي في بولندا.
في النهاية، لا تعتمد مكانة دراجي فقط على سمعته في الأسواق المالية، حيث ينظر إليه على أنه رجل قادر على خفض تكاليف الاقتراض الإيطالية وتعزيز أسعار الأسهم. وهو دارس للتاريخ يتمتع بقيم ديمقراطية قوية وحس استراتيجي من النوع الذي تحتاج إليه أوروبا بشدة حتى يتسنى لها أن تتعامل بفاعلية مع بوتين ورفاقه الأيديولوجيين في أوروبا الوسطى.
من الواضح أن نزوع دراجي إلى تأييد الشراكة الأطلسية لا يتعارض مع آفاق أوروبا الأكثر وحدة. فعندما كان رئيسا للبنك المركزي الأوروبي، لم يبادر إلى إنقاذ اليورو لمجرد الحفاظ على عضوية إيطاليا في العملة الموحدة، كما يزعم منتقدوه في الشمال بل فعل ذلك لإنقاذ المشروع الأوروبي ذاته. على نحو مماثل، لم يقدم دراجي التيسير الكمي لإنقاذ السندات الإيطالية ببساطة بل فعل ذلك لتعزيز التكامل بين الشمال والجنوب.
الآن يدافع دراجي عن صندوق تعافي الاتحاد الأوروبي، ليس فقط لمساعدة إيطاليا وغيرها من دول الجنوب على التغلب على العواقب الاقتصادية المترتبة على الجائحة، بل أيضا لإدامة الجهد المشترك الأكثر جرأة حتى الآن لدمج شمال أوروبا وجنوبها. وقد تكون الخطوة التالية في هذه العملية تقديم سندات يورو حقيقية. وقد يكون دعم دراجي لأداة الدين المشتركة هذه حاسما.
من المرجح أن يشغل دراجي منصب رئيس وزراء إيطاليا حتى عام 2023، عندما يحين موعد الانتخابات الجديدة. لكنه ربما يقرر عدم الاستمرار في المنصب بعد أيار (مايو) 2022، إذا لم يخدم تشارلز ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي الحالي، لفترة ولاية ثانية. ونظرا لتركيز دراجي على مستقبل أوروبا، فسيكون من الصعب عليه تجاهل الفرصة للاستمرار في عمله في هذا المنصب. والواقع أن الرأي الشائع أن دراجي يعتزم خوض المسابقة الرئاسية في إيطاليا لا يخلو من مبالغة. ذلك أن منصب رئيس إيطاليا يجعله بلا سلطة أو صلاحيات.
رغم أن اقتصاد إيطاليا قد يكون نقطة ضعف دراجي إذا اضطر إلى إنفاق كل وقته ورأسماله السياسي في القتال من أجل الإصلاحات الضرورية، فإن التحدي المحلي والأوروبي الذي ينتظره مترابط في نهاية المطاف. وحقيقة أنه سيحصل على أكثر من 200 مليار يورو (243 مليار دولار) من أموال صندوق التعافي لتوزيعها على الفصائل المحلية المختلفة هي التي تخفف من الخطر المتمثل في احتمال تسبب الاقتصاد الإيطالي في هدم وتخريب كل جهوده.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2021.
