Author

التكتلات .. نشأتها ومكافحتها

|
جلبت الثورة الصناعية منذ القرن الـ 19 الميلادي تطورات وتغيرات كبيرة في جوانب كثيرة من الحياة والحضارة وطبيعة الإنتاج وتكاليفه وتسويقه وخدمته بعد البيع. فمثلا، اعتمد تطوير فإنتاج سلع صناعية على اكتشافات وعمل أفراد بعينهم، وعلى رؤوس أموال كبيرة، وخدمات توزيع وبيع وصيانة واسعة ومكلفة بعد خروج تلك السلع إلى الأسواق. وزادت التكاليف مع توسع الدول في وضع ضوابط وتنظيمات للسوق والتوظيف والعمل.
هذه الطبيعة والظروف المصاحبة لها أتاحت لمصانع سلع بعينها أن تستأثر بحصة كبرى من السوق. خذ مثلا السيارات في الدول المشهورة بصناعتها. يلاحظ تركز تصنيعها في شركات بعينها، والسبب طبيعة إنتاج السيارات وخدمتها بعد البيع. قلة البائعين لسلع بعينها تحفزهم على قيام تعاون بينهم يسمى في أدبيات الاقتصاد والقانون تكتلا trust. وهذا التعاون يسهل عليهم السيطرة على السوق والأسعار. وهذه السيطرة تحفز على ممارسات سعرية غير عادلة. هذه طبيعة البشر محبون للمال حبا جما.
العادة في التكتلات إبقاء الأسعار أعلى ما يمكن. لكن قد تلجأ إلى خفض الأسعار دون التكلفة لفترة مؤقتة بغرض الإضرار بالمنافسين، فمحاولة إجبارهم على الخروج من السوق. هذه الأحداث دفعت المشرعين في دول غربية منذ القرن الـ 19 إلى إصدار قوانين سميت antitrust التي تعني مكافحة التكتل ونحوه.
تدخل الحكومات لتنظيم الأنشطة التجارية يأتي في أطر منع استخدام النفوذ لتعطيل قوى السوق، كما يأتي في أطر تصحيح التشوهات التي تصيب السوق، وليس في أطر إجبار الناس على البيع بغير رضاهم. وخلاف انفراد منشأة أو تكتل أو تواطؤ قلة، هناك مصادر أخرى لتشوهات السوق وأهمها وجود صعوبات في الحصول على المعلومات أو الاستفادة منها ووجود تأثيرات خارجية.
الدواء يعد من أشهر أمثلة مشكلة نقص المعلومات التي تتطلب تدخل الحكومة بالتسعير. معلوماتنا عن كثير من الأدوية وما نحتاج إليه منها ليست بالقدر الذي يسمح لنا بالتصرف من تلقاء أنفسنا، بل وفق وصفة طبية، لكن الأطباء يتعرضون إلى مغريات من وكلاء شركات أدوية لوصف أدوية شركات بعينها للمرضى، لها بدائل مماثلة أقل ثمنا، لكنها لشركات أقل شهرة، وأقل مصروفات خاصة على التطوير.
هناك عبارات شائعة في وسائل الإعلام ونحوها مثل "الأسعار غير معقولة" و"عمد التجار إلى إغلاء الأسعار" و"التلاعب بالأسعار"، وتقال في معرض الطلب من السلطة التدخل في الأسعار. هذه العبارات ونحوها أقرب إلى أن تكون عبارات مجملة من وجهة علم الاقتصاد. ولهذا طورت في علم الاقتصاد مجموعة كبيرة من أدوات التحليل القابلة لأن يعبر عنها باستخدام الرياضيات، وتساعد على فهم موضوعي حيادي لتركيب وسلوك الأسواق والإنتاج وتحدد الأسعار وحركة العرض والطلب عامة. ويصعب فهم هذه الأدوات على أكثرية غير المختصين دون إعطاء شروح لا تخلو من طول. من هذه الأدوات التكلفة الحدية والإنتاج الحدي ومرونة الطلب السعرية والإيراد الحدي وقانون تناقص الغلة ومنحنى العرض في الأجل الطويل تحت المنافسة الكاملة، وغيرها كثير.
الحكم على الأسعار بأنها غير معقولة قد يكون مبررا، وقد يكون نسبيا، ذا ارتباط بمستوى غنى وفقر الناس وبقوة الحاجة إليها، ولذا فإن الأمر بحاجة إلى معايير يستند إليها. لنأخذ المثال التالي الدال على النسبية. في مقدور عامة مواطني الدول الغنية امتلاك سيارة، لكن الأمر ليس كذلك على مواطني الدول الفقيرة. ولذا قد يقول مواطنو تلك الدول: أغلب الناس في بلدي لا يقدرون على تملك سيارة، نظرا لأن أسعار السيارات غير معقولة.
قد يحدث أن ترتفع الأسعار ارتفاعا كبيرا في إطار تلاعب، وقد يحدث بسبب اختلال بين عرض وطلب سلعة أو مجموعة من السلع، دون وجود تكتلات أو تعمد سلوكيات للإضرار بقوى السوق. وقد عبر الإمام الموسوعة ابن تيمية - رحمه الله - عن ذلك في كتابه "الحسبة" بعبارات تتناسب مع الفهم السائد آنذاك لعمل قوى السوق "فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق".
ولذا من المهم أن يعرف هل حدث تدخل بهدف تعطيل أو الإضرار بقوى السوق أو لا؟ في حال أنها لم تعطل: ما مدى أهمية أو حاجة عامة الناس إلى السلعة أو الخدمة؟ ما مدى وجود بدائل؟
بصفة عامة، تواطؤ منشآت على سعر محدد ليس دوما أمرا سهلا، لاحتمال وجود مشكلات تقلل من نجاح كتمان التواطؤ. ومن القصص المشهورة تآمر مديري شركات أدوات كهربائية كبرى أمريكية مطلع الستينيات من القرن الميلادي الماضي، على رفع الأسعار السائدة. حكم على هذه الشركات بدفع تعويضات للمستهلكين المتضررين من رفع الأسعار، خلاف أحكام أخرى ذات طابع جنائي ضد المتورطين.
الحكم على تلك الشركات استند إلى قوانين واضحة. وزيادة في التفصيل، طور عديد من الدول مجموعة واسعة جدا من التشريعات التي يعمل تطبيقها على تصحيح تشوهات السوق.
ومع ذلك فقد يرى كثيرون أن الانفراد أو التكتل يجلبان في حالات، تحسينا في الكفاءة الاقتصادية. والأمر يتطلب عمقا في النظر من ذوي الاختصاص بعدل وموضوعية بعيدا عن العواطف.
إنشرها