عكف الاقتصاديون المحافظون على إثبات أن الأسواق الحرة الخالية من القيود هي السبيل الوحيد لاستدامة النمو والرخاء. وسيطرت هذه الأيديولوجية على صناعة السياسات الاقتصادية الأمريكية منذ ذلك الوقت، مع استثناءات محدودة. لكنها لم تحقق الهدف المرجو منها. علاوة على ذلك، فإن القواعد المفترض حيادها وعدالتها التي تنظم الأسواق أدت في واقع الأمر إلى درء المخاطر الاقتصادية عن الشركات والأثرياء وتركيزها على الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل. وأصبح هذا الأمر ملحوظا الآن أكثر من أي وقت مضى، إذ وقع الأثر الأكبر للجائحة على العاملين منخفضي الدخل الذين إما فقدوا وظائفهم أو اضطروا للعمل في وظائف تعرضهم لخطر الإصابة بالمرض ونشره.
تخفيض الضرائب وضعف الاستثمارات العامة: إن التخفيض الضريبي الذي أقره الرئيس دونالد ترمب عام 2017، الذي استفاد منه الأثرياء على نحو كبير، ليس إلا أحدث مثال على فلسفة تخفيض الضرائب التي حكمت سياسة المالية العامة الأمريكية لعدة عقود. فقد أدت هذه التدابير إلى حرمان الأمة من الموارد التي كان من الممكن استخدامها في تمويل الوظائف الحكومية الأساسية والاستثمارات العامة المهمة. ونتيجة لذلك، تراجعت الاستثمارات العامة كنسبة من إجمالي الناتج المحلي - قيمة السلع والخدمات المنتجة سنويا في الولايات المتحدة - إلى أقل مستوياتها على الإطلاق منذ عام 1947.
تآكل قوة العمال: أدت أعوام من الأحكام القضائية والإدارية ضد النقابات، إلى تقويض قدرة العاملين الأمريكيين على التفاوض من أجل زيادة الأجور والمنافع وتوفير ظروف عمل أفضل وأكثر أمانا. وتفرض قوانين الحق في العمل في 27 ولاية صعوبات متزايدة أمام إنشاء النقابات. وهكذا أصبح لأصحاب الأعمال اليد العليا، ما أدى إلى جمود الأجور وتهديد سلامة العاملين، ولا سيما في أثناء الجائحة.
التركزات الاقتصادية: أسهمت سياسة مكافحة الاحتكار الأمريكية وآليات إنفاذها في السماح للصناعات عبر الولايات المتحدة بزيادة تركزاتها، كما أتاحت للشركات الكبيرة القوة السوقية اللازمة لوضع الأسعار والقضاء على المنافسين وكبح الأجور وفرض معوقات على الابتكار.
علاوة على ذلك، توجد شواهد على أن ذلك قد أدى إلى تراجع استثمارات الشركات. وازدهر بعض الشركات بسبب الجائحة، بينما تكافح الشركات الصغيرة من أجل البقاء.
حول قياس الأداء الاقتصادي: قبل الثمانينيات عندما بدأ تزايد أوجه عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة، كان نمو إجمالي الناتج المحلي مؤشرا موثوقا بدرجة كبيرة لقياس رفاهية معظم الأمريكيين. لكن مع تزايد أوجه عدم المساواة لتقترب من مستويات عام 1920، تركزت منافع نمو إجمالي الناتج المحلي في شريحة الـ 10 في المائة الأعلى دخلا، بينما كان نمو دخول الأغلبية العظمى من المواطنين أكثر تباطؤا مقارنة بنمو إجمالي الناتج المحلي، أو منعدما في بعض الأحيان. لهذا السبب أصبح إجمالي الناتج المحلي يعكس في الأغلب أوضاع الأثرياء. لذلك، فإن تعافي إجمالي الناتج المحلي خلال الشهور المقبلة سيعطي إشارات خاطئة لصناع السياسات عن حجم التعافي الذي يشهده المواطن الأمريكي العادي.
التمييز على أساس العرق والجنس: تؤكد التبعات الصحية والاقتصادية المتفاوتة للركود الناجم عن جائحة فيروس كورونا واقع وتاريخ التمييز على أساس العرق والجنس في الولايات المتحدة. فمتوسط دخل الأسر من ذوي البشرة السوداء يعادل 59 في المائة من متوسط دخل الأسر من ذوي البشرة البيضاء، وبالنسبة للرجال والنساء باختلاف انتماءاتهم العرقية، تكسب المرأة في المتوسط 81 سنتا مقابل كل دولار يكسبه الرجل. وتبدو نتائج الفصل الوظيفي واضحة للعيان، حيث نجد العاملين في قطاع الرعاية الصحية والخدمات في الصفوف الأمامية في مواجهة الجائحة. ورغم أهميتها، فإن بعض هذه الوظائف التي تمثل النساء والأقليات النسبة الأكبر من العاملين بها تقل فرصها عن أي وظيفة أخرى في الحصول على مزايا مثل الإجازات المرضية مدفوعة الأجر أو التأمين الصحي المقدم من صاحب العمل.
ويعزى جزء كبير من هذه المشكلات إلى عقود من إخفاقات السياسات التي تقوم على الأيديولوجيات بدلا من الشواهد والبراهين. فقد أدت الأفكار الاقتصادية المشوهة التي أعلت قيمة الأسواق، إلى تقويض المؤسسات العامة، والقبول بخفض التمويل المتاح لمؤسسات الحوكمة الديمقراطية، وزيادة التركزات الاقتصادية، وإضعاف قوة العمال والآثار التمييزية الناتجة عن عدم التدخل في قواعد العمل. وهكذا، فإن لخيارات السياسات دورا واضحا ودائما في تنظيم هيكل الأسواق... يتبع.
