Author

عزيزي الجاهل

|
ذكرني تهاون البعض في الاحتراز من الجائحة ببيت أبو العلاء المعري:
أراك الجهل أنك في نعيم
وأنت إذا افتكرت بسوء حال
وهو تذكير مسبب فالشاعر لقب بـ"رهين المحبسين"، العمى والمنزل، وبودي لو يرتهن البعض لمحابسهم الطوعية في منازلهم إذا لم يكن هناك ضرورة، طالما أنهم مصابون بالعمى ولا يرون ارتفاع أرقام الإصابات مجددا هنا، وانفجارها في موجة جديدة في كثير من الدول، وبعضها مجاور لنا.
لا أجد كلمة أقرب لوصف حال المستهتر بالتعليمات من كلمة الجهل، فالجاهل ليس فقط من لا يعلم، بل هو أيضا من يرى أو يعتقد الشيء خلاف ما هو، والبعض - هداهم الله - يرون أن الجائحة والعدوى والاحترازات مبالغة أو غير ضرورية، والأسوأ هم من يربطون الأمر بالتوكل دون القيام بالفعل القبلي اللازم للتوكل، "اعقلها"، أي احترز واستمع للتعليمات وطبقها، ثم توكل.
كما تظهر الأزمات معادن الناس، فهي أيضا تصفي عقولهم فيظهر فهم البعض لما يدور في الواقع، ويظهر جهل البعض الآخر، فيقترب الفاهمون من الإنسانية الواجبة في هذا المقام، إنسانية حماية أنفسهم ومن يحبون، ويبتعد أولئك عنها لأنهم يعرضون أنفسهم وبشرا مثلهم للخطر.
التحذير الذي كرره وزير الصحة يذكرنا فورا بالحظر، وهو أمر لا نريده جميعا، ليس فقط لأن فيه الحبس، وأخذ من التزم بجريرة من لم يفعل، ولكن لأن فيه خسائر كبيرة لكثير من الرجال والنساء تضعف أو تنقطع مداخيلهم، وتتأثر أعمالهم الصغيرة أو وظائفهم.
أيضا في التشديد إرهاق لرجال الأمن ورجال وسيدات الصحة، الأبطال الذين يواصلون العمل لحمايتنا وراحتنا، وتنفيذ تعليمات ولاة الأمر بالمحافظة على حياتنا، حياتنا التي أراها مقارنة بمعظم شعوب الأرض مستمرة بوتيرة جيدة لأن تعاملنا والتزامنا كان ممتازا، ولعله يظل كذلك إذا سلمنا من الجهلة والعابثين.
عزيزي الجاهل، أرجوك لا تكن "أغوى من غوغاء الجراء" كما يقول المثل، والغوغاء في بعض المعاجم الجراد إذا ماج بعضه في بعض قبل أن يطير، أو "لا تطير في العجة" كما في المثل الشعبي، فالجائحة قائمة، والعدوى احتمالاتها تزيد كلما فرطت، وكلما لاحقت أو انضممت إلى مجموعة جهلاء آخرين، لا يطبقون التعليمات، ويستهترون بأنفسهم، وأنفس الناس، وبجهد ومال وإمكانات وأكثر من عام من العمل المضني لاحتواء الجائحة، لحمايتك وحماية حياتك ومن تحب.
تعوذ من الشيطان، ضع كمامتك، وتباعد جسديا، وأرسل لمن يدعوك لمناسبة أو وليمة دعواتك الصادقة المحبة، فستوفر عليه وعلينا وعلى حكومتنا كثيرا من الألم والمشقة.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها