Author

القوة التريليونية والنمو المتسارع

|

عالمنا ينمو بسرعة مذهلة ويتغير أمام ناظرنا بطرائق لم نألفها.
وأي مفهوم للنمو يعني التغيير في مستوى وأسلوب حياتنا كبشر. بيد أن النمو ليس فيه من العدل والإنصاف والسواسية، الصفات الإنسانية التي نصبو إليها.
ومن ثم مآل النمو فيها تجاذبات وتأثيرات شتى. ونادرا ما يحدث أن تكون للنمو تبعات إيجابية فحسب.
وإن كان النمو يغير مستوى الحياة في بقعة من الأرض لدى مجموعة من الناس إلى ما هو أفضل وأحسن، فإن تكدس البضاعة والإنتاج والثروة في الأغلب يقع على حساب بقعة أخرى وأناس آخرين.
وتأثير النمو محسوس على مستوى الأرض أو الطبيعة. النمو في إنتاج واستهلاك المواد الخام والنمو في حاجياتنا وطلبياتنا كبشر التي يبدو أنه لا نهاية لها، في الأغلب يقع على حساب أناس آخرين.
أكتب هذا وأنا أقرأ أن الأغنياء في أمريكا أصحاب الشركات الخوارزمية أضافوا تريليون دولار إلى ثرواتهم الشخصية في العام المنصرم الذي اكتوى فيها ملايين الناس ولا يزالون ليس من وقع الجائحة فحسب بل بحثا عن لقمة الخبز.
وليس غريبا على البشر التهليل عند حدوث النمو أو طفرات في تغيير أسلوب الحياة أو تنظيمها من حيث السياسة أو الإدارة أو الاقتصاد.
كم من الناس استبشر خيرا بتفكك الاتحاد السوفياتي السابق في مستهل التسعينيات من القرن الفائت على أمل "دمقرطة" العالم وبزوغ فجر حقوق الإنسان وتقرير المصير والمساواة.
ونحن الذين كنا شهودا على انهيار المنظومة السوفياتية الاشتراكية كقوى عظمى بموازاة المنظومة الأمريكية الرأسمالية القوى العظمى الأخرى، توقعنا مردودا إيجابيا على مستويات اجتماعية وسياسية واقتصادية حول العالم.
وأكثر ما توقعناه أنه في غياب المنافسة، سنعيش عالما يشهد نهاية للصراع والمعارك والحروب بالوكالة، أو في أقل تقدير سيتنفس فيه الضعفاء والمهمشون الصعداء لانتفاء الحاجة إلى الاستغلال والاضطهاد.
وسيكون للقيم الإنسانية والأخلاقية القدح المعلى في تحديد التوجهات والمسارات التي سيكون عليها عالمنا.
لا غرو أن العالم تغير جذريا في العقود الثلاثة التي تلت انهيار المنظومة السوفياتية الاشتراكية وسيادة المنظومة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة التي حاولت جاهدة تأسيس عالم تسوده قيمها ويليق بقيادتها له.
لن أسترسل في الذي وقع، لأن العالم الذي تلا انهيار المنظومة الاشتراكية عشناه سويا ولنا معرفة عميقة عنه. فالقيم الغربية بقيت حبيسة جغرافيتها، وكل المحاولات الحثيثة لعولمة العالم كي يتبنى نمط الحياة الغربية ذهبت أدراج الريح رغم تكاليفها الباهظة.
لذا بقي الشرق شرقا والغرب غربا، لا بل بدأنا نلحظ أن وقع السلطة خلف القوى العظمى الحالية أخذ يؤثر في الإنسان داخل حدودها ومن يدور في فلكها.
في العقود الثلاثة الماضية التي ظهر فيها الغرب الرأسمالي كقوى مهيمنة لا منافس لها، وهو يتطلع فيها إلى قيادة العالم وجذبه صوب قيمه، برزت قوى من داخله وأخذت في خناقه كنظام.
اليوم العولمة التي من أجلها بذل الغرب الرأسمالي الغالي والرخيص صارت له ندا. كانت الغاية أن تؤثر وتغير وتجذب كرها أو اختيارا الدنيا صوب الغرب.
في الواقع العولمة أبعدت الدنيا عن الغرب، وهي في طريقها للتأثير وبقوة في أسلوب وطريقة حياته.
إنها "القوة التريليونية" - أسميها هكذا لأن سطوتها لم يعرف العالم لها مثيلا لدرجة أنها صارت أكبر تحد للقوى العظمى التي ظهرت من رحمها.
وهنا أشير إلى الشركات التكنولوجية الخوارزمية التي تزداد تألقا وثروة وتأثيرا في عقر دار جغرافيتها قبل أي بقعة أخرى من العالم.
نحن أمام "قوة تريليونية" لم تعد صاحبة الثروة ولولب الاقتصاد في بلادها، بل تحولت إلى قوة ضغط سياسية مهولة لدرجة أن القوى الأعظم في العالم التي ظهرت بعد ضمور منافسها السوفياتي صارت تخشاها.
الأسابيع الأخيرة التي سبقت تنصيب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة أظهرت وبشكل جلي أن "القوة التريليونية" صارت صاحبة القول الفصل لها الحق في إصدار حكم دون محاكمة بحق كائن من كان وذلك بحرمانه من استخدام خوارزمياتها، أي تصفيته رقميا، وهذا أقسى عقاب في عالم اليوم.
أمضيت يوما كاملا أراجع أقوال الرئيس السابق دونالد ترمب ووقعت عيناي على موقف له يهدد فيه هذه الشركات الخوارزمية التريليونية بإصدار قانون يجبرها أن تمارس أعمالها ضمن نطاق القانون، لكن رغم ما عرف عنه من صلابة فشل في مسعاه.
الشركات الخوارزمية أو شبكات التواصل، التي هي عماد الاقتصاد الأمريكي حاليا، تستند إلى المادة 230 من قانون الاتصال والتواصل في أمريكا، المادة التي تجبر التعامل معها كمنصات وليس كقنوات أو وسائل نشر، لذا لا يمكن محاسبتها على أفعالها أو تقييدها.
ومن سيكون في إمكانه لجمها بعد أن أعدمت أقوى رجل في العالم رقميا بإسكات صوته؟
إننا أمام "قوة تريليونية" لم يعد تأثيرها يقتصر على الاقتصاد، بل أصبحت قوة سياسية استثنائية غير مسبوقة في تاريخ العالم.
وبعد أن دخلت معترك السياسة من أوسع أبوابها، أرى أنها ستتزعم القرن الـ 21، أو هكذا أظن، والأيام بيننا.

إنشرها