Author

بكالوريوس المحاسبة والاعتماد المهني

|
ما زلت في هذا المقال أبحث عن إجابة عن قرار توطين مهنة المحاسبة، وربطها بما قيل: إنه الاعتماد المهني، ما يخل جوهريا بقيمة شهادة البكالوريوس، بل بما هو أعلى منها مثل الدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه، كما أنني واجهت نقدا واتهاما بعدم قدرتي على التفريق بين الاعتماد المهني والشهادة المهنية - نقد كأنه التهكم -، ولا أعجب في أنني لا أعرف، بل ولا أخجل من قول: إني لم أعرف، وإذا لم يكن الاعتماد المهني هو الحصول على شهادة مهنية، فما هو؟ لقد فهمت من القرار والهيئة أن الاعتماد المهني يقصد به التسجيل في الهيئة فقط، وعلى هذا فمن لم يسجل في الهيئة فلا حق له في التعيين ولو كان حاصلا على البكالوريوس، ولو تم تعيينه فلا يحق للشركة احتسابه ضمن التوطين، ومثل هذه النتيجة مرعبة.
وتطلب الأمر مني العودة إلى كل المراجع المعتبرة، فلم أجد لهذا أصلا. التسجيل في الهيئة يعني الحصول على عضوية منتسب، التي عرفتها الهيئة بأنها لكل من يهتم بمجال ومهنة المحاسبة، ثم استدركت فقالت: وأن يكون حاصلا على درجة البكالوريوس - تخصص محاسبة، أو أي شهادة تعدها الجهة المختصة بمعادلة الشهادات معادلة لها، كما اشترطت للعضوية صورة من البكالوريوس، وصورة من السجل الأكاديمي، وسداد 345 ريالا رسوم التسجيل في العضوية - تدفع سنويا، وسداد 575 ريالا رسوم التحقق من صحة الشهادة في حال كانت صادرة من خارج السعودية. ثم تقول الهيئة: إن مميزات هذه العضوية هي الخصومات وتسهيل التعامل مع الجهات الرسمية التي يكون من بين متطلباتها التسجيل في الهيئة، فالمنتسب للهيئة لا رأي له ولا شأن في حوكمتها رغم المبلغ الواجب دفعه سنويا، ولا أعرف ما خدمة تسهيل التعامل مع الجهات الرسمية؟ وهل هو ما يقصد به الاعتماد المهني؟ ومن أين جاء هذا الحق الذي تضمن اعتماد شهادة البكالوريوس قبل موافقته على التوطين؟ وهنا أكرر ما قلته في المقال السابق عن عدم أحقية الهيئة أن تحتكر علم المحاسبة وحدها، أو تحتكر التسجيل وتمنح لنفسها حق الاعتماد للشهادات الأكاديمية المعتبرة، كما أن هذا الشرط يحتاج - فيما لو ثبتت الحاجة إليه - إلى تعديل جوهري في نظام العمل، حيث إن البقاء في وظيفة المحاسبة يتطلب دفع رسم سنوي على الموظف أو يتم استبعاده، وهذا يتطلب تعديل نظام الهيئة وصلاحياتها وحوكمتها لتصبح مثل الغرفة التجارية، ويجب تعديل مجلس إدارتها، بل حتى أهدافها كليا.
ولأن كل هذا غير مقبول عمليا، فسأسرد هنا فلسفة المهنة - أي مهنة. وبداية، فإن كلمة المهنة تختلف عن الحرفة، وكلمة مهني تختلف جوهريا وموضوعيا عن كلمة فني، فالمهنة تعني وظائف وأعمالا محددة لها: "1" لغة عمل ومصطلحات علمية وحوار خاص Discourse وإطار عمل منضبط ومتفق عليه Framework، وهذه اللغة والإطار والاتفاق يتطلب وجود "2" تجمع مهني خاص - ناد، وهذا التجمع يقدم مزايا عدة للمنتسبين إليه، وله حوكمته الخاصة من بين أعضاء المنتسبين إليه، ورغم تشكل هذا العلم ومصطلحاته وإطاره وتجمعه المهني، فلا يصبح مهنة حتى يتحقق له شرط الاعتراف من المجتمع. هذا الاعتراف لا يأتي من خلال ضغط المهنيين أنفسهم، بل من خلال حاجة المجتمع إلى المهنة - الطلب والعرض، فمثلا في مهنة المراجعة الخارجية تم إنشاء معهد المحاسبين الأمريكي AICPA في نهاية القرن الـ19 بعدما بدأت مشكلة مراجعة القوائم المالية تتفاقم بين المديرين والملاك، وظهرت الحاجة إلى رأي مستقل. ولأن هناك طلبا، بدأ كل من هب ودب يدعي أنه مختص في هذه المهنة حتى يحصل على المكافآت، وهذا يهدد سمعة المهنة بسبب وجود غير المختص، الذي يتسبب في أضرار للمجتمع. ولهذا، أطلق المعهد "3" بشهادته المهنية التي يقدمها المراجع لتأكيد أنه ممارس معتمد ومستقل، وعندما أقول ممارسا معتمدا مستقلا، فهذا يعني أنه قادر على إنجاز عمله واتخاذ قرارات بشأنه دون إشراف من أحد، وأنه يتحمل المسؤولية عن ذلك - وضع تحت عبارة "دون إشراف من أحد"، خطوطا بعدد أسطر هذا المقال. وفي مقابل هذه الشهادة يتحمل المراجع المعتمد "4" مسؤوليات مهنة وأخلاقية جمة. ومع ذلك، فإن المجتمع لم يحقق الاعتراف الكامل بهذه المهنة إلا عندما "5" صدرت قوانين عام 1933، وذلك بعد الانهيارات الكبيرة التي تسببت في الكساد العالمي. وهكذا، فإن شهادة CPA، هي شهادة اعتماد للمراجعين الخارجيين فقط، الذين يحق لهم مراجعة القوائم المالية للشركات والتوقيع عليها. فالتجمع المهني، الذي تشرف عليه الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين، امتداد لفلسفة التجمع المهني الأمريكي AICPA، فكلمة اعتماد ومعتمد لا تعني أكثر من مراجع خارجي، ولا تمتد إلى الموظفين العاملين، سواء عند المراجع المعتمد أو عند غيره، بل إنها غير مطلوبة على المراجع المعتمد نفسه عند تقديمه الأعمال الاستشارية. وبهذا، فإن الاعتماد المهني، الذي يعني فحص شهادة البكالوريوس قبل تعيين الموظف مهما كان مصدرها أو شكلها، خروج على العمل المهني وفلسفته ونظامه بلا سند ولا دليل.
وإذا كان هذا هو التفسير للاعتماد المهني، فإن اشتراطه على النحو الذي جاء في نص قرار وزارة الموارد البشرية بشأن توطين مهنة المحاسبة اجتهاد محض غير علمي ولا أساس له، والمجتمع لم يطلب فعليا مثل هذا الشرط، بل إن واقع الحال - كما قرأت - محاولة الشركات والموظفين تجاوز هذا الشرط من خلال تغيير مسمى الموظف، فبينما يمارس عمل المحاسبة فهو يسمى بغير ذلك حتى لا يتم إجباره على دفع الرسوم للهيئة أو تتورط الشركة في معالجة وضعه، وهذا فيه تشويه خطير للمهنة.
إنشرها