«ذا لاين» الإضافة الجديدة للاقتصاد الوطني

|

شهد مطلع العام الجاري إضافة المشروع الجديد، والمبتكر عالميا، المتمثل في إطلاق ولي العهد الأمين - رعاه الله - مشروع بناء المدينة الذكية "ذا لاين" في منطقة نيوم، على امتداد 170 كيلومترا بلا ضوضاء أو تلوث وحوادث مرورية، وسيسهم اعتمادها الرئيس على الذكاء الاصطناعي في جعلها خالية من المركبات والازدحام، وتحافظ على 95 في المائة من المقومات الطبيعية للمنطقة التي ستبنى فيها، إضافة إلى مساهمتها في المحافظة على بيئة المنطقة، باعتمادها الكامل على الطاقة النظيفة، وحمايتها من الضوضاء والتلوث "صفر انبعاثات كربونية"، وأن يسهم وجود هذه المدينة المبتكرة في إضافة نحو 180 مليار ريال إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، ويسهم في توفير 380 ألف فرصة عمل بحلول ذلك العام.
لإدراك الأهمية العالية التي يمثلها تشييد وبناء مدينة "ذا لاين"، لا بد من النظر إليها في إطار أوسع، يشمل عشرات المشاريع التنموية العملاقة على امتداد كامل مساحة المملكة، التي تم الإعلان عنها تباعا خلال الأعوام الأخيرة، وتتجاوز تكلفتها الإجمالية عدة تريليونات من الريالات، وكيف أن تلك المشاريع العملاقة سيتتابع تدشينها والاعتماد عليها عاما بعد عام حتى حلول 2030، وبدء عملها بكل ما حملته من مستهدفات وطموحات طويلة الأجل، والأثر الإجمالي المتوقع والكبير لها على توسيع وتنويع الاقتصاد الوطني، ما يؤكد - بمشيئة الله تعالى - أن المستقبل القريب يحمل شكلا مختلفا للاقتصاد والمجتمع على حد سواء، وأنه سيكون اقتصادا أكثر صلابة ومتانة، وأعلى كفاءة وتنوعا وتوظيفا للموارد البشرية الوطنية، وأحد أكثر الاقتصادات حول العالم اجتذابا للاستثمارات الأجنبية، وكل هذا في مجمله يحمل معه مكاسب كبيرة جدا، لعل من أبرزها هو انخفاض اعتماده على النفط كمورد رئيس، مقابل الارتفاع المطرد لاعتماده على الإنتاج المتنوع والمتعدد، وحسن استغلال الموارد المحلية، والتوظيف الأمثل للثروات والاستثمارات، والمساهمة في توفير مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة للموارد الوطنية البشرية، ومساهمة ذلك في تحسين مستويات الدخل لأفراد المجتمع، إضافة إلى التحسين المطرد لبيئة الاستثمار وقطاع الأعمال محليا، وما سينتج عنه من توافر كثير من الفرص الاستثمارية أمام القطاع الخاص، وانعكاس كل ذلك على زيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة مساهمته في النمو الاقتصادي المستدام.
وبالنسبة للمدينة الجديدة "ذا لاين"، التي تقع على قرب من البحر الأحمر، الذي يمر عبره أعلى من عشر حركة التجارة العالمية، وبحكم ما ستمتلكه من ابتكارات رائدة عالمية على الأصعدة كافة، فهذا يرشح المدينة - عن جدارة واستحقاق - لأن تكون مركزا عالميا للتجارة والاستثمار، ويعزز أيضا من هذه المكانة المرتقبة للمدينة، أن نحو 40 في المائة من سكان العالم سيكون في إمكانهم الوصول إلى المدينة المبتكرة خلال أقل من أربع ساعات فقط، وما سيزيد من جاذبيتها الاستثمارية على مستوى منطقة الشرق الأوسط أولا، وعلى المستوى العالمي بالدرجة الثانية، إن المدينة بموقعها الاستراتيجي على أحد أكبر الشرايين البحرية للتجارة العالمية، تقع في اقتصاد هو الأكبر في المنطقة، يتمتع بأعلى درجات الثقة والاستقرار عالميا، ما سيدفع بكثير من الشركات العالمية والمراكز المالية والتجارية الكبرى في العالم إلى زيادة الشراكة الاستثمارية والتجارية مع "ذا لاين"، وكل ذلك بكل تأكيد سينعكس إيجابيا على الأطراف كافة، وفي مقدمة تلك الأطراف الاقتصاد الوطني.
إذا كان الاقتصاد الوطني في سباق مع الزمن لاحتلال المواقع الأكثر ابتكارا على مستوى العالم، وللخروج سريعا من هيكلته التقليدية السابقة، فإنه أيضا سيكون على موعد متتابع المراحل الزمنية طوال العقد الراهن وصولا إلى 2030، سيجني خلال تلك الفترة التي لا تعد طويلة في عمر الاقتصادات والمجتمعات ثمار تلك المشاريع التنموية والاستثمارية العملاقة، وسيشهد الاقتصاد الوطني - بتوفيق الله - قفزات نوعية وكمية بالتزامن مع التطورات المرتقبة خلال تلك الفترة، ومع كل نقلة نوعية سيشهد الاقتصاد وبيئته الاستثمارية المحلية مزيدا من اجتذاب الاستثمارات حول العالم، وتحقيق مكاسب إضافية خارج التقديرات والتوقعات الراهنة، وهذا بدوره سيعزز من تسارع نمو الاقتصاد وزيادة تنوع قاعدته الإنتاجية، عدا ما سينتج عنه من ابتكار وتأسيس مشاريع استثمارية جديدة أكبر، يتوافق منطقها مع الشكل الجديد للاقتصاد الوطني الذي سيرتسم - بإذن الله تعالى - عاما بعد عام خلال تلك المسيرة المباركة والسديدة.
ختاما: إذا كان تأسيس مدينتي الجبيل وينبع في نهاية السبعينيات الميلادية من القرن الماضي، قد أسهم في نقل الاقتصاد الوطني خلال تلك الفترة من اقتصاد محدود الحجم والموارد، ودفع بالاقتصاد خلال العقود التالية لتلك الفترة نحو آفاق واسعة، ولم يكتمل لاحقا التقدم في هذا الاتجاه لأسباب عديدة، ونتج عنه خلال العقود الأخيرة حدوث تأخر على طريق زيادة تنوع قاعدة الإنتاج المحلية، شهدنا جميعا آثارها في الاقتصاد الوطني طوال العقدين الأخيرين على أقل تقدير، فإن ما نشهده جميعا من تأسيس وتدشين للمشاريع الاستثمارية والتنموية العملاقة خلال الفترة الراهنة، يحمل معه صورة مختلفة تماما، يمكن الاستدلال على ملامحها العريضة، بأضعاف أكبر بكثير من الآثار الإيجابية التي نتجت عن إنشاء الجبيل وينبع، خاصة أننا أمام تأسيس وتدشين مشاريع استثمارية وتنموية عملاقة جدا بعدة تريليونات من الريالات، وفي الوقت ذاته نراها تتوزع جغرافيا بدرجة أكبر على مختلف مناطق المملكة، نسأل الله - العلي القدير - أن يكتب لتلك المشاريع العملاقة وما سيأتي منها قريبا التحقق والنجاح، وأن يعم نفعها البلاد والعباد.

إنشرها