اقتصاد عالمي متين ومستدام «1من 2»

|
في أعقاب الأزمة الصحية والاقتصادية الطاحنة التي تسببت فيها جائحة فيروس كورونا المستجد كوفيد - 19، يبدو الاقتصاد العالمي كأنه خارج من واحدة من أشد حالات الركود ليبدأ مرحلة تعاف ضعيف. ويبين هذا الإصدار من تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية بجلاء أن واضعي السياسات يواجهون تحديات جسيمة، تتجاوز الآفاق الاقتصادية على المدى القصير في الصحة العامة، وإدارة الدين، وسياسات الموازنة، وأنشطة البنوك المركزية والإصلاحات الهيكلية في الوقت الذي يسعون فيه لضمان أن يكتسب هذا التعافي العالمي، الذي لا يزال هشا، قوة دفع لا بأس بها، ويرسي الأساس لنمو وتنمية قويين على المدى البعيد.
ويتعين على الحكومات، والأسر المعيشية، والشركات جميعا السعي نحو اعتماد مشهد اقتصادي مغاير. فإلى جانب حماية الفئات الأكثر معاناة وتأثرا، يتطلب الأمر اعتماد سياسات ناجحة تسمح بتحول رؤوس الأموال، والأيدي العاملة، والمهارات، والابتكارات إلى أغراض جديدة، لبناء مناخ اقتصادي أقوى وأكثر مراعاة للبيئة، في أعقاب جائحة فيروس كورونا. وعلى الدول السائرة بالفعل في هذا الاتجاه من الدينامية والمرونة أن تضاعف جهودها، في حين أصبح التغيير واجبا بشدة على الدول الأخرى، التي تعاني أوضاعا مالية أجهدتها الجائحة أيما إجهاد، وضعف العوامل الدافعة للنمو على المدى الطويل.
وقد انهار الاستثمار، خصوصا، خلال عام 2020 في عديد من اقتصادات الدول الصاعدة والنامية، في أعقاب عقد من الضعف المستمر. ومن المتوقع أن يستأنف الاستثمار نموه في عام 2021 لكن، رغم التحسن الناشئ عن التطورات في التكنولوجيا الرقمية، فلن يكون ذلك كافيا لإزالة آثار الانخفاض الكبير الذي حدث خلال عام 2020. تثير تجارب أزمات الماضي مزيدا من القلق فبدون تصحيح عاجل للمسار، ربما ظل الاستثمار ضعيفا لأعوام عديدة مقبلة.
وللتغلب على العوامل المعاكسة على صعيد الاستثمار، ثمة حاجة إلى دفعة كبيرة لتحسين بيئة الأعمال، وزيادة مرونة أسواق العمل والمنتجات، وتعزيز الشفافية والحوكمة. ومن شأن ذلك أن يعيد إنعاش الاستثمار، ويساعد في تخصيصه بطريقة أكثر فاعلية، لكن تظل أعباء الديون غير المستدامة تشكل عقبة كبرى، حيث باتت أعباء الديون المحلية والخارجية، على حد سواء، التي كانت قد بلغت مستويات قياسية بالفعل قبل الجائحة، أثقل كثيرا بفعل الانكماش المدمر في الدخول الذي حدث على مستوى اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية.
في الوقت الذي تصوغ فيه الدول سياسات من أجل التعافي، فإن أمامها فرصة للشروع في مسار تنموي أكثر اخضرارا وذكاء وإنصافا. ولمعالجة عبء الدين الخارجي، يلزم وضع مجموعة شاملة من التدخلات السياسية: توسيع نطاق مشاركة جميع الدائنين الثنائيين من القطاع الخاص والرسمي في الجهود القائمة لتخفيف عبء خدمة الديون، وخفض كبير للديون على الدول التي تعاني ارتفاع مديونيتها لزيادة جاذبية الاستثمار، وتحسين ممارسات شفافية الديون التي ترفع السرية والقيود المفروضة على عقود الديون، وإجراء إصلاحات تشريعية للتعجيل بإعادة هيكلة ديون القطاع الخاص، وتعزيز تسلسل هذه العمليات التي قد تشمل الدول التي عليها متأخرات مع الدائنين، في الوقت الذي تعمل فيه مع المؤسسات المالية الدولية على تحقيق استدامة الديون... يتبع.
إنشرها