Author

قراءة لما بعد قمة العلا

|
العلا التاريخية في السعودية استضافت القمة الخليجية الـ41 في ظل ظروف اقتصادية عالمية شديدة التعقيد مع حالة عدم يقين لم يشهد لها مثيل في التاريخ الاقتصادي الحديث، بسبب كورونا. والقمة تأتي لتجاوز أي خلافات بين الأسرة والبيت الخليجي الواحد، ولا سيما أن مجلس التعاون الخليجي وخلال مسيرته في 40 عاما حقق عددا من المشاريع المشتركة، مثل حرية حركة رؤوس الأموال والاتحاد الجمركي والتعاون العسكري المشترك والمواطنة الخليجية في المجال الصناعي، وغيرها كثير من الملفات التي لا تزال على طاولة المجلس.
إن طبيعة دول الخليج السياسية والاقتصادية تجعل من التكامل السياسي والاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي، بوابة لتحقيق الأمن الإقليمي، فأمن الخليج لا يمكن تجزئته - كما أوضح ذلك الدكتور نايف الحجرف الأمين العام للمجلس - ولذا، فإن مبدأ عدم تجزئة أمن الخليج يفضل أن يكون مبدأ استرشاديا دائما في قرارات واتجاهات المجلس، لمنع أي انكشاف أو تهديدات قد تحيط بدول المجلس.
إن رأب أي صدع بين دول المجلس سيحصد الخليجيون منافعه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال مواصلة تنمية وبناء الإنسان الخليجي الذي أصبح رقما صعبا عالميا على مستوى الدخل والتعليم والمعيشة العامة. ويعزى تقدم مواطني دول الخليج في تلك المؤشرات إلى أن كل ما تحققه دولهم من إيرادات مالية، من خلال النفط والغاز، يتم إنفاقه داخليا وبسخاء.
يشكل الاحتياطي النقدي في دول الخليج للحكومات، إضافة إلى الكيانات الاقتصادية والمصرفية المتاحة، رصيدا كافيا لتجاوز أي أزمة اقتصادية، فضلا عن إمكانية تحول تلك الفوائض والقدرات الائتمانية العالمية إلى عمل اقتصادي مشترك يحقق طموحات جميع دول الخليج لتنويع مصادر الدخل عبر الصناعة والتجارة والخدمات ومواصلة الإنفاق على الإنسان الخليجي.
أما على مستوى الصناديق السيادية، فإن دول الخليج تملك 40 في المائة من إجمالي أكبر عشرة صناديق سيادية، ولذا فإن تأثير تلك الصناديق قادر على أن يحقق آمال الأجيال المقبلة وبناء أفضل علاقات دولية مع الدولة المستهدفة بالمشاركة أو الاستثمار مع الخليجيين.
كما أن تنوع العلاقات الاقتصادية والبشرية والتلاصق الجغرافي في دول الخليج يمكن أن يتحول إلى محفزات لزيادة مستويات التشابك الاقتصادي عبر الشركات الكبرى الخليجية القائمة أو الجديدة، سواء المملوكة للحكومات أو للقطاع الخاص.
أعتقد أن ما بعد قمة العلا سيعتمد على العمل الاقتصادي المشترك بالدرجة الأولى والمصالح المشتركة وفق مبادئ وأسس اقتصادية وتنموية واستثمارية مع استمرار تبني مبادئ اقتصادات السوق الاجتماعية أو ما يعرف بالطريق الثالث الذي يجمع بين كفاءة الاقتصاد والعدالة الاجتماعية وضمان الاستقلال الذاتي للإنسان الخليجي عن قوى السوق التي قد تؤثر في الحياة والأسرة والصحة، ويعزى ذلك إلى أن قادة دول مجلس التعاون الخليجي يسخرون كل شيء لخدمة مواطنيهم وجائحة كورونا أكبر شاهد.
إنشرها