Author

هل من المعقول التفرغ لتجارة الأسهم؟

|
توجهت الأنظار إلى سوق الأسهم نتيجة مكوث الناس في المنازل أثناء أزمة كورونا بداية العام الماضي، حيث بدأ كثير من الناس رحلتهم الأولى مع سوق الأسهم، وازدادت شهية المتعاملين عموما لتداول الأسهم وقبول درجات أعلى من المخاطرة المالية. والسؤال الذي يدور في خلد بعض المتعاملين هو: هل بالإمكان التفرغ لسوق الأسهم وتحقيق دخل شهري مناسب من جراء بيع وشراء الأسهم كتجارة يومية أو شبه يومية؟
ارتفعت نسبة المشاركة في أسواق الأسهم خلال فترات الحظر والبقاء في المنازل، حيث وجد البعض في ذلك نوعا من التسلية ومحاولة لتحقيق دخل شهري يعوض شيئا من التراجع الذي حل بمداخيلهم. على سبيل المثال، ارتفعت كمية التداول اليومية لسوق ناسداك من متوسط نحو 2.2 مليار سهم يوميا ما قبل أزمة كورونا إلى أكثر من خمسة مليارات سهم يوميا حاليا، ومن مليارين إلى ثلاثة مليارات ريال يوميا في المملكة إلى نحو عشرة مليارات ريال يوميا بعد أزمة كورونا.
الجواب المباشر والمختصر هو أن أغلب من يتداولون بشكل مكثف، سواء من خلال التداول اليومي أو التداول المتأرجح، يخسرون خلال فترة قصيرة، وبالتالي لا يمكن أن تكون الأسهم وسيلة بديلة للدخل الشهري لمعظم الناس. بحسب بعض الدراسات، لا تتجاوز نسبة من يربحون من ممارسة التداول اليومي بين 5 و10 في المائة من المتعاملين، وفي دراسة أخرى قام بها باحثون من جامعة كاليفورنيا وجامعة بكين الصينية قبل عدة أعوام وجدوا أن 13 في المائة فقط من المتداولين اليوميين يحققون ربحا بنهاية العام.
والتعريف الشائع للمتداول اليومي، بحسب كل من بورصة نيويورك والسلطة التنظيمية للقطاع المالي في الولايات المتحدة الأمريكية، هو الشخص الذي يشتري ويبيع لأكثر من أربع مرات أسبوعيا، أما من يتعامل بالتداول المتأرجح فإنه الشخص الذي يحتفظ بالأسهم عادة من عدة أيام إلى عدة أسابيع.
النقطة المهمة هنا هي أن التداول اليومي لا يمكن عمله في المملكة بسبب نسبة العمولة العالية، حيث كما ذكرت في مقال سابق أن من يتداول بمبلغ 100 ألف ريال بشكل يومي ستكون عمولته لمدة عام بين 25 و50 ألف ريال، وذلك حسب نسبة العمولة التي يستطيع الحصول عليها. لذا لا يمكن لأي شخص في المملكة أن يمارس التداول اليومي، الذي بالمناسبة يعني بيع جميع ما لدى الشخص من أسهم قبل نهاية اليوم، ويتم دعم هذا النوع من المتداولين بسيولة عالية من الوسيط تصل إلى أربعة أضعاف رأسماله، بلا أخذ أي فائدة مالية على المبلغ المقترض.
لذا فمن ناحية عملية الأقرب للمتداول في المملكة ممن يرغب في التفرغ للمتاجرة بالأسهم هو التداول المتأرجح، الذي يتم بالدخول والخروج من أسهم معينة حسب استراتيجيات يتبعها المتداول على أسس تحليلات فنية وقراءات لخرائط الأسعار، أو نتيجة لتحليلات مالية خاصة بالشركة وتوقعات حول ما لدى الشركة من تطورات تجارية ومشاريع ونتائج مالية مرتقبة، وما إلى ذلك، وتكون عمليات التداول لديه بحدود مرتين إلى ثلاث مرات في الشهر.
التداول المتأرجح يتطلب معرفة جيدة بالتحليل الفني أو المالي أو بهما معا، كون صلب عمل الشخص ينصب في اقتناص الفرص والدخول والخروج في أوقات مناسبة، وهذا يتطلب معرفة بأسس التحليل الفني من دعم ومقاومة وقراءة جيدة للمؤشرات الفنية، وكذلك معرفة المؤشرات المالية والقدرة على قراءة وتفسير الخطط الاستراتيجية للشركات، وما يتوافر من معلومات وأخبار عنها.
إلا أنه في حقيقة الأمر أهم عناصر النجاح هو عمل خطة للتداول والالتزام بها، وهذا يدعو لشيء من التفصيل.
الأمر المؤكد الذي يتفق عليه جموع المضاربين في الأسواق المالية هو أن وجود خطة للتداول معدة ومكتوبة بعناية تامة أمر ضروري جدا، وهذه الخطة لا تختلف عن الخطط الاستراتيجية التي تعدها الشركات والحكومات، وتشمل الرؤية والأهداف وخططا تنفيذية معينة، سنتطرق لأمثلة عليها فيما يلي. لكن قبل ذلك أشير إلى أن هذه الخطة تحتوي على سياسة التداول، وهي عبارة عن نقاط مكتوبة على ورقة تعلق أمام المتداول في مكان تداوله حيث يتذكرها دوما، وتشمل مبادئ رئيسة يلتزم بها المتداول، وتكون بمنزلة دستور شخصي أو مبادئ ملزمة للشخص. من أمثلة بنود سياسة التداول المتعلقة بالتحليل المالي هناك بنود تؤكد على المتداول - وهذه مجرد أمثلة - عدم شراء أسهم أي شركة لديها خسائر بحد معين، أو لديها مشكلات قانونية، أو لديها نسبة نمو في المبيعات أقل من 10 في المائة من عام لآخر، وهكذا. ومن بنود التحليل الفني ألا يبيع أي سهم لا يزال فوق خط الدعم، أو ألا يشتري أي سهم لم يغلق فجوة عليا تركها السهم قبل أيام قليلة، أو ألا يشتري أي سهم مقياس السيولة لديه لم تصل إلى حد معين.
ومن بنود سياسة التداول العامة، يمكن للمتداول أن يقرر ألا يستثمر في أي شركة بأكثر من 15 في المائة من حجم المحفظة، ويستعمل أوامر إيقاف الخسارة عند نزول السهم إلى أقل من 10 في المائة من سعر الشراء، وألا يقترض لأغراض التداول، وغيرها من مبادئ خاصة بالشخص. وتأتي أهمية هذه السياسات في أنها تعين الشخص على الانضباط وعدم الاندفاع أو الإفراط في الخوف عندما تكون هناك تقلبات كبيرة في أسعار الأسهم. وإن كان لي أن أدلي بتجربتي الشخصية، فقد وجدت أن وضع سياسة للتداول علقتها على الجدار أكبر الأثر في ضبط الأعصاب واتخاذ القرارات المنطقية بعيدا عن التصرفات الاندفاعية المتهورة، وهذا أمر أكده كثير من المتداولين.
وعموما نجد أن سبب الفشل في التداول المكثف - يومي أو متأرجح - يعود إلى: (1) عدم الانضباط، وعلاج ذلك يتم بإعداد سياسة خاصة بالتداول، (2) الدخول والخروج بالتوقيت الخاطئ، والسبب كذلك في عدم وجود سياسة للتداول أو عدم الالتزام بها، (3) عدم وضع حدود مالية محددة لكل يوم أو لكل أسبوع، (4) محاولة الانتقام من السهم الذي حقق للشخص الخسارة، وهذا يتم بإصرار الشخص على استعادة خسارته من السهم ذاته وليس غيره، (5) الأخذ بالتوصيات والإشاعات، وهذه تأكد مرارا وتكرارا أن لا فائدة منها إلا ربما لمن أصدر التوصية وأطلق الإشاعة، وأخيرا (6) عدم التعلم من الأخطاء.
إنشرها