الاثنين, 28 سبتمبر 2026|15 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

مع خروج الاقتصاد العالمي من أزمة كوفيد - 19، من المتوقع أن يعود استهلاك الفحم إلى الارتفاع بعد هبوطه الحاد أثناء الجائحة. حيث لا يزال الطلب على الفحم قويا ويساعد على دفع التنمية الاقتصادية في الأسواق الصاعدة. غير أن كثيرا من الدول، في سعيها إلى تحقيق مستقبل أكثر استدامة، بدأت تتخذ خطوات لتخفيض الاعتماد على أنواع الوقود الأحفوري، خاصة الفحم. وقد تبين أن من الصعب التغلب على العقبات التي تعوق جهودها في هذا الصدد، وليس أقلها اعتماد العاملين في صناعة الفحم على الفحم في كسب رزقهم، لكن أدوات السياسة الصحيحة يمكن أن تدعم هذه الجهود.

فمن شأن الاستثمار الأخضر والتقدم التكنولوجي أن يساعدا على كبح زيادة استخدام الفحم وتسريع التحول إلى مصادر طاقة أنظف عند عودة النشاط الاقتصادي إلى وضعه الطبيعي. ومن شأن السياسات جيدة التصميم أن تساعد على تخفيف وطأة التحول على عمال مناجم الفحم وغيرهم ممن تعتمد أرزاقهم عليه.

وحول لمحة من التاريخ فإن الفحم مساهم أساسي في التلوث المحلي وتغير المناخ، حيث يسهم بنسبة 44 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم. وحين يحرق الفحم لتوليد الحرارة أو الكهرباء، تعادل كثافته 2,2 كثافة الغاز الطبيعي، أي: إن حرق الفحم يولد أكثر من ضعفي ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث عن الغاز الطبيعي لتوليد الكم نفسه من الطاقة. وعند تشغيل محطات الطاقة الحرارية التي تعمل بالفحم، فإن ثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد النيتروجين، وجسيمات دقيقة، وزئبقا تنطلق كلها في الهواء والأنهار والجداول والبحيرات. وهذه الانبعاثات لا تتسبب في تدهور البيئة فحسب، بل إن هناك أدلة مستقرة منذ وقت طويل تؤكد الخطر الذي تشكله على صحة الإنسان، إذ قدرت التقارير الطبية الصادرة عن الحكومة البريطانية أن الضباب الدخاني العظيم في لندن، الناجم عن حرق الفحم وعادم الديزل، كان السبب المباشر لوفاة أربعة آلاف نسمة في عام 1952. وهناك علاقة وثيقة بين مستوى التنمية واستهلاك الفحم، فعادة ما تكون الدول متوسطة الدخل هي الأكثر اعتمادا على الفحم. وأثناء الثورة الصناعية الثانية في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، زادت الاقتصادات المتقدمة اعتمادها على الفحم بوتيرة سريعة. غير أن مع استمرار ارتفاع الدخل، بدأ التحول ببطء من الفحم إلى أنواع الوقود الأكثر كفاءة وملاءمة والأقل تلويثا للبيئة، مثل النفط والطاقة النووية والغاز الطبيعي، ثم الطاقة المتجددة أخيرا.

وفي حقبة السبعينيات، توقف الانخفاض في استخدام الفحم ثم اتخذ مسارا معاكسا بسبب ثلاثة عوامل: أولا الشواغل المتعلقة بأمن الطاقة، وثانيا تنامي الإمدادات الكهربائية، وثالثا النمو الاقتصادي السريع في الأسواق الصاعدة. وأسهمت زيادة الاحتياجات الكهربائية في تعافي الطلب على الفحم لتوليد الكهرباء في كثير من الاقتصادات المتقدمة، التي بدأت تعود إلى الفحم في الوقت نفسه للحد من اعتمادها على النفط المستورد. ومع نهاية هذا القرن، بدأ استخدام الفحم ينخفض من جديد في الاقتصادات المتقدمة، لكن هذا الانخفاض تم تعويضه وزيادة من خلال طفرة الطلب في الأسواق الصاعدة... يتبع.

منتدى الاقتصادية 2026