Author

ميزانية 2021 إدارة أزمة وخطط لتسارع التعافي

|
في هذا العام الاستثنائي على العالم، حيث اجتاح وباء كوفيد - 19 مختلف الدول، وسبب ذلك أزمة كبيرة للجميع، أصبح العالم في حاجة إلى إدارة الأزمة بكفاءة عالية لتقديم ما يمكن من أجل صحة الإنسان، إضافة إلى اتخاذ ما يمكن من إجراءات للحد من الأثر المالي على المواطن. ومن هنا نجد صعوبة التعامل مع هذه الحالة، إلا أن المملكة حققت تميزا في التعامل مع الجائحة وأثرها وكيف يمكن التخفيف بالحد الأقصى على الجميع. ومن خلال النظر إلى مجموعة الإجراءات التي تم اتخاذها، نجد قدرة المملكة في تنويع مصادر تمويل الميزانية الحكومية، كما أن هذا الإجراء كان له دور في تنشيط حركة التمويل في السوق المحلية واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية التي تبحث عن أدوات مالية منخفضة المخاطر، ولذلك نجد أن هذا الإجراء أسهم في استدامة المشاريع التنموية والتخفيف بشكل كبير من أثر الجائحة، كما أن استدامة برامج مثل الإسكان أسهمت في النشاط العام في السوق باعتبار أن القطاع العقاري يؤثر بشكل كبير في الأنشطة الاقتصادية المختلفة، ودعم رواتب القوى العاملة الوطنية في الخاص الجزئي لمن فقدوا وظائفهم، كان له دور في بقاء النشاط الاقتصادي قائما، كما أن تم تعزيز فرص تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة مع تحمل الدولة تكلفة التمويل لمدة محددة لتحفيز هذا القطاع على الاستمرار وتجاوز هذه الأزمة إلى أن تستعيد السوق نشاطها.
وبالنظر إلى ملامح ميزانية المملكة لعام 2021، من الملاحظ جليا أن هناك إدراكا وافيا لحجم التحديات ودراسة للسيناريوهات المحتملة، إضافة إلى تقديم معلومات وافية عن التحديات المستقبلية. وقد أبرزت الميزانية جوانب مهمة تتعلق بالعجز في الميزانية، الذي وصل إلى نحو 33 في المائة من الناتج المحلي، ولا يزال في هذه الحالة يعد مما يمكن التحكم فيه، وهو يعد مقارنة بين دول العشرين لأكبر الاقتصادات في العالم بين الأقل، إلا أن الميزانية تنظر إليه على أنه مسألة يتم التعامل معها بما يؤدي إلى تخفيض هذه النسبة بدءا من العام الحالي لتصل إلى أقل من 5 في المائة لهذا العام، على أن يكون هناك انخفاض بصورة أكبر خلال العامين اللذين تليها. ولا تزال أدوات الدين في المملكة تبلغ نسبة متدنية بين مثيلاتها، ما يدل على أن إدارة العجز تتم بصورة جيدة، وهناك ثقة بالمركز المالي للمملكة.
استعراض الميزانية برزت فيه الشفافية العالية في توضيح التفاصيل الخاصة بالمالية العامة، الذي أبرز الصورة العامة للاقتصاد العالمي والتحديات التي يواجهها الاقتصاد المحلي في المملكة، إضافة إلى الرؤى الاستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى، والعمل على تنفيذ البرامج التي تعمل المملكة عليها للوصول إلى رؤيتها لعام 2030، إضافة إلى الخطط والبرامج التي تعمل عليها الحكومة بغرض تحقيق التوازن بين الإيرادات والإنفاق، كما أن البرامج الحكومية الاستراتيجية لن تتأثر كثيرا على المدى القصير، ومستمرة على المدى المتوسط وفق الخطط التي تأخذ في الحسبان الأثر الذي ستخلفه الجائحة. أما فيما يتعلق بتأثير الأزمة، فقد بدا واضحا فيما يتعلق بأثرها وانعكاساتها على الحالة الاقتصادية في المملكة لعام 2020، ما أدى إلى الانكماش بدلا من النمو خلال الفترة الماضية، لكن بدأت ملامح التحسن والنمو تظهر في الربع الأخير لهذا العام. وهذا الانكماش الذي حدث خلال العام الماضي لم يستثن معظم الدول حول العالم، لكن يتوقع وبما أشارت إليه الميزانية، أن يكون هناك نمو جيد لهذا العام، وهو أثر طبيعي إذا ما تحسن أداء الاقتصاد العالمي باعتبار أن النمو وصل بصورة أكبر خلال عام التعافي، ومن ثم يستقر بعد أن يأخذ أثر الأزمة في الانحسار.
يتضح من الميزانية العامة للدولة لهذا العام أثر مجموعة من البرامج الحكومية التي تسعى فيها إلى تخفيف الاعتماد على النفط كمورد أساسي للميزانية، حيث إن مجموعة من البرامج عززت من موارد الميزانية العامة، بلغت 358 مليار ريال مقارنة بالإيرادات النفطية 412 مليار، وهذه نسبة تبلغ نحو ا45 في المائة، وهذا تطور كبير، خصوصا مع الانخفاض الكبير لعوائد النفط خلال الفترة الماضية، وهذا مؤشر على قدرة أعلى في إدارة الأزمة خلال الفترة الماضية وكفاءة الاقتصاد الوطني وقدرته على تقديم خيارات وحلول في وقت الأزمات.
يتوقع في ميزانية عام 2021 انخفاض المخصصات الخاصة بالإنفاق على البرامج الاجتماعية من 69 مليارا إلى 63 مليارا في مؤشر على أن يكون هناك عمل لتعزيز فرص التوظيف للمواطنين والتحسن العام لدخل الأسر في المملكة، خصوصا مع برامج توطين مجموعة من المهن والوظائف واتخاذ مجموعة من الإجراءات التي تزيد من فرص الوظائف المناسبة المتاحة للمواطنين، فالإنفاق على البرامج الاجتماعية خصوصا في عام 2020 نتيجة للجائحة وما خلفته من أثر في بعض القوى العاملة الوطنية والدعم الحكومي الخاص بذلك، كان له أثر في عجز الموازنة.
فعام 2021، وبعد اكتشاف العالم للقاحات فاعلة - بإذن الله - في مواجهة كوفيد - 19، فإن الرؤية إيجابية بصورة عامة للاقتصاد في المملكة، حيث يمكن أن تستفيد من التحسن المتوقع في الإيرادات النفطية، كما أن الانفتاح في العالم على السفر في ظل الاستمرار في تطوير البنية التحتية السياحية في المملكة ووجود برامج طموحة في هذا المجال، يمكن أن يزيد من فرص التحسن الجيد للاقتصاد، وتوفير فرص جيدة للقوى العاملة الوطنية وللمستثمرين. الانطباع العام عن الاقتصاد السعودي جيد بدلائل ومؤشرات، منها الإقبال الكبير على أدوات الدين، والاكتتابات التي تم طرحها خلال هذه الأزمة وتغطيتها رغم ضخامتها، إضافة إلى الكفاءة الكبيرة والقدرة على إدارة الأزمة التي يشهدها العالم اليوم.
إنشرها