تجارة السلع وبارقة أمل 

|

 
الانتعاش الحاد الذي شهدته تجارة السلع لـ"مجموعة العشرين" في الربع الثالث من العام الجاري، جاء طبيعيا، خصوصا أن هذا الفصل شهد عودة الاقتصادات العالمية كلها تقريبا للحراك المطلق في بعضها والمقيد في بعضها الآخر. فإعادة تحريك هذه الاقتصادات، أدى إلى ارتفاع النمو في معظم الدول، إلا أنه كان نموا قصير الأجل، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا النمو وما صاحبه من قفزات في قطاعات معينة، لم يكن ليحصل لولا خطط الإنقاذ الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات حول العالم.

ومن هنا، فإن أي تحسن في أداء أي قطاع، لا يمكن النظر إليه على أنه قابل للاستدامة، بينما لا تزال الأزمة الاقتصادية الكبرى الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد حاضرة على الساحة الدولية. فقد بينت منظمة التجارة العالمية في تقرير لها أخيرا تراجع حركة التجارة الدولية إلى أدنى مستوياتها في أربعة أعوام على الأقل، ما يوضح حجم الضرر الاقتصادي الناتج عن جائحة كورونا المستجد، محذرة في الوقت ذاته من أنه لا يوجد دليل على أن ذلك التراجع سينتهي قريبا، إذ تسبب فيروس «كوفيد - 19» في توقف الاقتصاد العالمي. ومن النقاط اللافتة في انتعاش قطاع تجارة السلع، احتلال المملكة المركز الرابع بين دول "العشرين"، فصادرات السعودية انتعشت بشكل كبير في الربع الثالث المشار إليه لترتفع 43.7 في المائة، مقارنة بالفصل الثاني من العام نفسه، ما يعزز الاعتقاد أن المسار الاقتصادي السعودي يمضي قدما حتى في عز الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، فضلا عن دور المخططات الاستراتيجية للمملكة بهذا الخصوص.

ولأن اقتصادات "مجموعة العشرين" تحركت في الربع الثالث بصورة جيدة، فقد ارتفعت صادرات "المجموعة" 21.6 في المائة، وزادت الواردات 18.1 في المائة، وذلك بعد تراجعها الكبير والسريع في الربع الثاني، الفصل الذي شهد أعمق فترة للإغلاق الاقتصادي عالميا. علما بأن تجارة السلع كانت من القطاعات الأكثر تضررا بفعل كورونا إلى جانب قطاعات مثل السياحة والسفر والنقل وغيرها من تلك التي تتصل بالخدمات. ورغم كل هذا الارتفاع في تجارة السلع، إلا أنه لم يرق بعد إلى المستوى الذي كان عليه قبل تفشي الوباء، مع ضرورة الملاحظة هنا، أن أغلبية الدول أعادت بداية الربع الأخير من العام الجاري، فرض القيود على الحراك الاقتصادي فيها، في محاولة جديدة أخرى لحصر الموجة الثانية من كورونا، والتقليل من أضرارها الصحية أولا.

وهذا ما تعززه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي أشارت - باعتبارها الذراع الاستشارية لمجموعة العشرين - إلى أن الإغلاقات الجديدة التي أعيد فرضها أخيرا، قد تعيد الانتعاش الاقتصادي الطارئ إلى مستويات الربع الثاني من هذا العام. وهذا لا شك فيه وارد وتتحدث عنه كل حكومات "العشرين"، مع عدم وضوح الرؤية بصورة تامة بشأن اللقاح المأمول لمواجهة كورونا. ووفق الأرقام الخاصة بتجارة السلع لمجموعة العشرين، فإن ما وصلت إليه هذه التجارة في الربع الثالث من العام الحالي أقل مما كانت عليه في الربع الرابع من العام الماضي. وعموما فإن التجارة العالمية هي الآن أقل بنحو 5 في المائة عن مستواها قبل انتشار الجائحة العالمية.

لا يمكن أن يحدث الانتعاش المأمول قبل أن تتضح الصورة الاقتصادية العالمية كاملة، وقبل أن تتم السيطرة على الركود الحالي الذي احتل مكانته كأعمق ركود عالمي منذ أكثر من 80 عاما. وقطاع تجارة السلع، يتصدر القطاعات التي تحتاج بالفعل إلى قفزات نوعية مستدامة في المرحلة المقبلة، ولا سيما على صعيد مجموعة العشرين التي تسيطر أساسا على 85 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، كما أنها تقود هذا الاقتصاد من كل النواحي بما في ذلك التشريعات التجارية الدولية، وغيرها من القوانين التي تحدد آفاق الاقتصاد العالمي ككل.

إنشرها