المشاهير والسرقات العلمية

|
السرقات العلمية والإخلال بأخلاقيات البحث العلمي وانتهاك الملكية الفكرية للآخرين لم تعد من الأمور النادرة، بل تزايد حدوثها بشكل ملحوظ مع تزايد أعداد الكتب والبحوث والمقالات المنشورة عموما، ومع التنافس المحموم للشهرة أو الكسب بين مشاهير التواصل الاجتماعي والاستشارات الأسرية وبناء الذات، وكذلك بين الكتاب والباحثين.
وفي الوقت نفسه، تنوعت أساليب اكتشافها بفضل القفزات التقنية الهائلة، بحيث أصبح من الغباء التفكير في القدرة على التخفي والسلامة من الفضيحة أو العقوبة القانونية!
ومع أن هذه الممارسات مذمومة بأشكالها ودوافعها كافة، فقد نتفهم أسباب ارتكاب هذه المخالفات بين طلاب الدراسات الجامعية حتى طلاب الدراسات العليا، لعدم وعيهم بفداحة الفعل وعدم معرفتهم بنتائج الإقدام عليه، لعدم تبصيرهم بمعايير النزاهة العلمية، ما يعكس - ولو جزئيا - تقصير بعض الجامعات في هذا الخصوص، إضافة إلى قلة الحيلة أمام ضغوط الوقت التي تواجه الطلاب لإكمال متطلبات المقررات، مع وجود عروض مغرية على شبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك من قبل محال خدمات الطلاب.
ولكن التساؤل الذي يبرز في أذهان كثير من القراء، ما الدافع أو السبب وراء ارتكاب شخص مشهور في وسائل التواصل الاجتماعي أو الاستشارات الأسرية أو يتمتع بمكانة دينية كبيرة وشهرة واسعة على الإقدام على هذه الأفعال الدنيئة؟ فالإنسان الذي بلغ هذا المستوى من الشهرة لا يحتاج إلى السطو على كتابات الآخرين وحقوقهم الفكرية أو سرقة أفكارهم وإبداعاتهم!
لا شك أن الطمع في التمتع بوهج الشهرة والرغبة في البقاء على القمة والاستفادة من امتيازاتها، مقابل الانشغال الكبير وضيق الوقت، تجعل بعضهم تحت ضغط نفسي كبير، فمن جهة يرغبون في المحافظة على هذا المجد، وفي الاستمرار في نجاحاتهم أمام الجماهير، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون توفير الوقت اللازم للكتابة والإبداع. وهذا يجعلهم يقدمون على الاستعانة ببعض الكتاب لمساعدتهم على التحضير لإعداد مؤلفاتهم أو حتى التأليف نيابة عنهم. وفي أغلب الأحيان، يضعون ثقة عمياء بمن استأمنهم اعتقادا بأنهم قادرون على الكتابة من بنات أفكارهم، ولكن هؤلاء "تجار الكلمة" لا يستطيعون ذلك، وإلا لقاموا بكسب شرف التأليف لأنفسهم. ففي أغلب الأحوال، يقوم هؤلاء التجار بالسطو على مؤلفات الآخرين ونقل النصوص بدم بارد ودون تغيير يذكر.
أخيرا، لا بد أن يعلم لصوص الكلمة أن الزمن تغير، والتقنيات تطورت، بحيث يسهل كشف السرقات العلمية من خلال برمجيات كثيرة، أصبحت في متناول الجميع، وأحيانا لا يتطلب الأمر أكثر من البحث من خلال محركات البحث المعروفة. فلم يعد بالإمكان سرقة أعمال أدبية كاملة أو بحوث علمية. فالجامعات تنبهت ووضعت قواعد للنزاهة العلمية، واشتركت في برمجيات متخصصة في الكشف عن الاقتباسات بحيث تحتوي ليس على البحوث والمؤلفات فقط، بل حتى على واجبات الطلاب وأبحاثهم الفصلية.
إنشرها