Author

ما الطريقة الشائعة لاحتساب نمو الناتج المحلي الإجمالي؟

|
كم كانت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث من هذا العام؟ بحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، كان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على أساس سنوي سالب 4.2 في المائة، وهو الرقم الذي أوضحته بشكل أفضل صحيفة “الاقتصادية” بعنوان “تراجع وتيرة انكماش الاقتصاد السعودي في الربع الثالث إلى 4.2 في المائة”، وذلك لأن نسبة النمو قبل ذلك كانت سالب 7 في المائة، فتكون النسبة قد تحسنت في الربع الثالث، وهذا صحيح. بعد ذلك قامت الهيئة بنشر نسبة أخرى لحساب الناتج المحلي مع تعديلات موسمية، وكانت النتيجة نموا إيجابيا بنسبة 1.2 في المائة.
الحقيقة، إن نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث مفترض أن تكون موجب 4.2 في المائة “ليس سالب 4.2 في المائة”، ولننظر إلى التفاصيل فيما يلي.
على الرغم من صحة نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي المتبعة من قبل الهيئة، إلا أنها في حقيقة الأمر ليست الطريقة المعروفة والشائعة لعرض نسبة النمو للناتج المحلي الإجمالي كما يمارس في كثير من الدول، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واليابان، ودول أخرى كثيرة. كذلك هذه الطريقة تختلف عما هو متبع من قبل كبريات الصحف الغربية، والبريطانية، وتختلف كذلك عن الطريقة المتبعة من قبل البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي!
مرة أخرى، طريقة عرض نسبة النمو المتبعة من قبل الهيئة العامة للإحصاء صحيحة، لكنها ليست الطريقة الشائعة والمفضلة. وقبل الدخول في شرح الطريقة “الصحيحة”، أؤكد مرة أخرى أن الطريقة المتعارف عليها اقتصاديا وإعلاميا وحكوميا على المستوى العالمي في سياق نسبة نمو الناتج المحلي، هي طريقة التحويل إلى المعدل السنوي annualized، التي في حال تبنيها من قبل الهيئة العامة للإحصاء، ستظهر أن نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث لهذا العام في المملكة موجب 4.2 في المائة، وليست سالب 4.2 في المائة. وليس الهدف هنا إظهار رقم أكثر جاذبية بقدر ما أن هذه هي الطريقة المتعارف عليها، والتي تعتمد عليها الأوساط الاقتصادية والمالية.
لماذا تتعامل الهيئة العامة للإحصاء بهذه الطريقة؟ لا أعلم، لكن طريقة الهيئة عبارة عن المقارنة بالربع المقابل من العام السابق، وتستخدم فيها قيم الناتج المحلي الربعية لا السنوية، وتسمى هذه الطريقة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي على أساس سنوي، بينما الطريقة الأكثر شيوعا حول العالم هي مقارنة الربع الحالي بالربع السابق وتحويل ذلك إلى معدل سنوي. كما أن هناك طريقة أخرى أقل شيوعا، وهي مقارنة الربع الحالي بالربع السابق مباشرة دون تحويل إلى نسبة سنوية.
هذا يعني أن طريقة الهيئة العامة للإحصاء مختلفة عن أي من الطريقتين المعروفتين: المقارنة بالربع السابق مباشرة “الأقل شيوعا”، أو المقارنة بالربع السابق مع التحويل إلى نسبة سنوية “الأكثر شيوعا”.
لمعرفة مدى النمو الاقتصادي لأي بلد، نحتاج إلى بيانات الناتج المحلي الإجمالي، لكن رصد النمو كرقم مطلق لا يفيد كثيرا، وتصعب مقارنة النمو لاقتصادات الدول بهذه الطريقة، لذا فإننا نحتاج إلى معرفة نسبة النمو وليس الناتج نفسه. المشكلة هنا، أننا نستطيع رصد نسبة النمو بعدة طرق، وجميعها صحيحة، غير أن دلالاتها مختلفة، ومناسبتها للأعراف الاقتصادية مختلفة. وعموما، دائما يفضل في عالم المال والاقتصاد استخدام النسب السنوية، لا الربعية. على سبيل المثال، عندما تعرض المصارف الفائدة على منتج ما، فإنها دائما تعرضها بشكل سنوي، حتى إن كانت الفترة أقل من عام واحد. أي لو سألت عن نسبة الفائدة لمدة أسبوع عند أحد المصارف، لوجدت النسبة مثلا 1 في المائة، وهذه نسبة سنوية ليست أسبوعية، بكل تأكيد. إذن، كيف يمكن لنا أن نعرض نسبة نمو الناتج المحلي بشكل سنوي وهي مأخوذة من بيانات ربعية؟
لإيضاح الطريقة بشكل مختصر، نأخذ المثال التالي، ونستخدم الأرقام الفعلية للناتج المحلي الإجمالي للمملكة، لكن كقيم سنوية، وليس كقيم ربعية كما في بيانات الهيئة:
كان الناتج المحلي الإجمالي السنوي للربع الثالث من عام 2020 يساوي 2,534 مليار ريال، والربع الثاني الذي قبله 2,508 مليار ريال، والربع الثالث من العام السابق 2,561 مليار ريال، فكم نسبة النمو في الناتج المحلي السعودي للربع الثالث؟
بحسب طريقة الهيئة العامة للإحصاء، نجد أن نسبة النمو على أساس سنوي سالب 4.2 في المائة، وهي - ببساطة - مجرد نسبة الانخفاض عن الربع الثالث لعام 2019، ومرة أخرى باستخدام بيانات ربعية وليست سنوية كما هو معمول به من قبل مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي.
أما بحسب الطريقة الدولية الأقل شيوعا، التي بدأت تميل إليها بعض وسائل الإعلام أخيرا، نتيجة التأثيرات القوية لفيروس كورونا على النتائج الاقتصادية لهذا العام، فإن النتيجة تكون موجب 1.0 في المائة، وتحسب بقياس نسبة الانخفاض عن الربع السابق مباشرة.
أما الطريقة المعروفة والأكثر شيوعا، التي - كما ذكرت - هي المستخدمة على جميع الأصعدة الدولية، فتكون نتيجتها هنا موجب 4.2 في المائة. وطريقة الحساب تتم بأخذ نسبة الاختلاف عن الربع السابق وتحويلها إلى سنوية، ويتم ذلك برفعها إلى العدد 4 ومن ثم خصم العدد واحد من النتيجة، ومن ثم ضربها في 100.
ميزة الطريقة المتبعة من قبل الهيئة هي، أنها من المفترض أن تساعد على التخلص من التأثيرات الموسمية، لأن المقارنة بالربع المقابل من العام السابق منطقية، كونها مقارنة بين فترتين زمنيتين متشابهتين مناخيا واقتصاديا واجتماعيا، وهو ما نراه عندما تقوم الشركات بعرض نتائجها المالية. لكن هذه الطريقة - مع الأسف - محدودة الفائدة لدى جميع الدول التي لديها مناسبات اجتماعية أو دينية مبنية على الشهور القمرية: على سبيل المثال، مناسبات الحج ورمضان تحدث في أشهر شمسية مختلفة من كل عام، ولذا فلا بد من عمل التعديلات الموسمية، وهذا ما رأيناه بالفعل حين أعلنت الهيئة أخيرا أن نسبة نمو الناتج بعد التعديلات الموسمية للربع الثالث موجب 1.2 في المائة، بدلا من سالب 4.2 في المائة. وهذه التعديلات الموسمية - بالطبع - لا تغير من طريقة الحساب الشائعة، كونها فقط تغير من قيمة الناتج ونسبة نموه وليس طريقة حسابه.
ختاما، برأيي أن تقوم الهيئة العامة للإحصاء بجعل طريقة التحويل إلى المعدل السنوي الطريقة الرسمية فيما يخص نشر معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، مع عرض قيمة الناتج بشكل سنوي في كل ربع، وليس قيمة الناتج المحلي لفترة ثلاثة أشهر.
إنشرها