مبادرة الرياض والتجارة العالمية

|
الأسبوع الماضي، كانت قنوات الأخبار العالمية تعج باسم السعودية في سياقات اقتصادية ونقاشات لقضايا مجموعة العشرين. نجحت الرياض بشكل استثنائي في تسيير أعمال مجموعة G20 ولا سيما في ظروف كوفيد - 19 التي ألقت بظلالها على عالم كان قبل عام 2020 يعاني نموا اقتصاديا هشا وصراعات تجارية معقدة بين اقتصادات متقدمة وأخرى صاعدة.
سجلت مشاركات السعودية من خلال مسارات وزراء المالية أو اجتماعات كبار المسؤولين أو مجموعات التواصل، إسهامات فاعلة في مجالي رسم سياسات قضايا العالم والدعم المالي الذي تخطى حاجز 500 مليون دولار من السعودية. مقال اليوم سيركز على أهم مبادرة تم طرحها على مجموعة العشرين، ولا سيما أنني طرحت آراء متنوعة عن خطورة الإضرار بالتجارة الدولية.
أدركت الرياض أن جذر الصراع بين قطبي الاقتصاد العالمي يرجع إلى أساس تجاري، فالتنافس بين واشنطن وبكين يعزى إلى تقاسم أسواق السلع العالمية والاقتصاد المعرفي وما يتبعهما من قضايا تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وحل النزاعات التجارية، خاصة أن الصين استخدمت فوائضها المالية من تجارتها لتمويل مشاريع النفاذ إلى الأسواق، كطريق الحرير للعبور بمنتجاتها إلى عمق أوروبا، ويمكننا تسميتها إمبريالية طريق الحرير، وترمز إلى التحكم السلعي العالمي.
وفي السياق ذاته، هناك وضع أمريكي مهيمن على سوق الاقتصاد المعرفية وسوقي الدين وتمويل التجارة السلعية، من خلال الدولار، ويمكننا تسميتها الإمبريالية النقدية الأمريكية، وترمز إلى التحكم الدولاري في حركتي الاقتصاد والتجارة العالمية من طرف الولايات المتحدة.
لم تستسلم الصين للإمبريالية النقدية الأمريكية، وواصلت جمع النقد الأجنبي من حول العالم وتكوين احتياطي نقدي تخطى ثلاثة تريليونات دولار، ولا سيما أن شركات الصين الحكومية وغير الحكومية تنتشر حول العالم، لذا شكل نمو التجارة الصينية تهديدا حقيقيا لأمريكا، ما دفع واشنطن إلى فرض قيود جمركية قاسية على السلع الصينية، وفي الوقت ذاته أمريكا لا تزال تستخدم أدوات الهيمنة النقدية عبر سعري الفائدة للتحكم في العرض النقدي العالمي، ما جعل الصين تقوم بعمليات معاكسة وتتلاعب بسعر صرف عملتها، بحسب تصريحات الرئيس الأمريكي.
كما أن الصين اشترت أصولا داخل أمريكا من خلال فوائضها النقدية بهدف رفع أسعار تلك الأصول، ما سيؤدي لاحقا إلى إضعاف ما سميناه سابقا الإمبريالية النقدية الأمريكية، لأن هذا التكتيك الصيني سيؤدي إلى ارتفاع الدولار، وبالتالي يقل الطلب على السلع الأمريكية.
في ظل كل تلك التعقيدات، أطلقت الرياض عبر مجموعة العشرين "مبادرة الرياض لمستقبل منظمة التجارة العالمية"، التي أرى أن لها انعكاسات جوهرية وجذرية في إعادة التوازن والتوافق العالميين، خصوصا في مسائل حل النزاعات التجارية، كما أن آثار المبادرة ستؤدي إلى تخفيف حدة الصراعات وتمنع المواجهة المباشرة، لأن مبادرة الرياض تعمل على إزالة جذر الصراع، وهو الأساس التجاري.
إنشرها