«مايسترو» الحوكمة والرقابة

|
يتعامل كثيرون منا مع متطلبات الحوكمة والالتزام والرقابة - خارجية كانت أو داخلية - بامتعاض وكلل. المفهوم هنا بأنها ضرورية لكن تثقل الحركة، مفيدة لكن تؤخر التقدم، يجب أن نثبت وجودها لكن ليس ضروريا أن ينشغل كامل فريق العمل بها. ولهذا تجد من يتعامل معها بأنها أمر إلحاقي، مثل من يقول: "وقع عقدك مع العميل، ثم انظر لاحقا لما تتطلبه إدارة الالتزام" أو من يرتب العمل لتحضير كل المستندات الثبوتية التي تتطلبها عملية المراجعة في نهاية العام أو يطلبها المراجع الداخلي في برنامجه السنوي، وليس حسب أهمية المستند وأهمية وجوده في حفظ الحقوق وإثبات الحدود. وهناك طبعا من يعتقد أن الحصول على صلاحيات أكبر يعني حرية أكبر، وينسى أن المسؤولية تتبع الصلاحية، بحوكمة أو بدون.
لهذا، ورغم وجود كثيرين من مدعي تأسيس ترتيبات الحوكمة والرقابة والالتزام داخل أماكن العمل، ورغم تفعيل اللجان والإدارات المختصة، حتى بعد دعم مجالس المديرين واهتمامهم بترتيب ذلك، نجد أن العمل الذي يتواءم فيه ظاهر هذه المتطلبات مع جوهرها نادر جدا. خصوصا، لو تعمقنا في ممارسات المنشأة وموظفيها أو في أسلوب إدارة العمل. وسواء كان المسؤول عن الحوكمة مختصا قانونيا أو ماليا ومحاسبيا في الأساس، مؤهلا بالخبرة أو بالشهادات الكبيرة، إلا أن المسألة مرتبطة بالفكر والتنسيق أكثر من مجرد الإلزام والتفعيل. وهذا تحديدا ما يتقنه "مايسترو" الحوكمة والرقابة الذي ينقل ويمرر الفكر والممارسة في كل جزئية داخل المنظمة بشكل متزامن ومنسق.
هناك من يعتقد أن هناك عملية مقايضة وتضارب Trade-Off تحدث بين النمو والتصاعد في نضج بيئة الحوكمة والعمل الرقابي إجمالا، وبين تحرر نماذج الأعمال وممارساتها وتحقيق النمو. وهذا أمر صحيح ووارد إذا لم يكن هناك توقعات مشتركة وواضحة لكيفية إدارة هذه المتغيرات المهمة، فالعمل على رفع مستوى الممارسات المرتبطة بيئة الحوكمة دون فهم جيد لفرص النمو وطبيعة العمل وفسحة الابتكار والمرونة التي يتطلبها العمل تعني نشر القيود في أرجاء المنظمة. وكلما توزع هذا التعارض على درجات السلطة والصلاحيات وآليات الرقابة، تعمق في أرجاء المنظمة، وقد يصل إلى مرحلة يصعب تفكيكه معها. لهذا، يبدأ دور "المايسترو" من اللحظة التي يتم ترتيب الأمور فيها من أعلى هرم السلطة.
عند النزول إلى المستويات التطبيقية التي تنقل متطلبات الالتزام والرقابة إلى إجراءات العمل الفعلي يتجلى دور "المايسترو" بشكل أكثر أهمية لكنه مختلف عن سابقه. هنا تصبح التوقعات المشتركة الوسيلة الأهم لإدارة التغيير وفرض الانضباط بشكل متوازن لا يضر بمصالح العمل ولا يقيد القائمين عليه. والأهم، توزيع المسؤوليات والإمكانات بشكل عادل ومحفز. دائما ما تبين برامج إدارة الأداء وتنفيذ الاستراتيجية مدى عمق هذه التعارضات. لهذا يأتي دور "المايسترو" هنا ليحسن من عملية التزامن والتنسيق بين هذه المحددات والمحفزات، التي تضمن نضج بيئة الرقابة على جميع المستويات أفقيا وعاموديا ونضج الممارسات التي تحتاج إلى الحماس والمرونة. أي نشاز في هذا المستوى يعني تطرفا في الضبط يجمد معه العمل والإنجاز، أو تطرفا في العمل يرفع من مستوى المخاطر بشكل لا يتحمله أي طرف سواء كان موظفا، أو مديرا أو مالكا. لهذا، يجيد "مايسترو" الحوكمة والرقابة إدارة هذا التنسيق الحساس بين أنظمة الضبط والرقابة وبرامج إدارة الأداء ومحفزات النمو والتقدم في أداء العمل.
في غياب "المايسترو"، تتحول مبادرات الحوكمة والرقابة إلى مستندات طويلة جافة تتكون من الأطر والتنظيمات والمصفوفات، لا تصنع مثل هذه المحاولات أي تناغم بين الإجراء والتطبيق، وسرعان ما يفقد فرسان العمل ثقتهم بها للتحول إلى قواعد كئيبة لا يحترمها أحد. وكنتيجة طبيعية لذلك ينحصر معظم تجارب التقدم في العمل وفرص النمو في فجوات الحوكمة ومناورات الرقابة، ما يجعل الأمر يظهر بعد عدد من الأعوام وكأن المسألة مجرد التزام لأمر مفروض بالقوة لكن لا قيمة حقيقية له.
لا يعمل "مايسترو" الحوكمة والرقابة مثل "مايسترو" الموسيقى، فهو لا يؤدي دوره التنسيقي المهم وحده محددا أدوار البقية، لكنه ينشر وينسق الفكر والترتيب لتصبح هناك محاور ارتكاز أخرى داخل كل الوحدات الرئيسة وعلى معظم المستويات تعمل عمل "المايسترو" تماما. تشمل المهام التزامن والتنسيق بين البرامج الإدارية الدائمة سواء تلك المختصة بفرض الرقابة أو تحفيز العمل والنمو، مع وجود آليات ناضجة لإدارة التغيير وأدوات التفعيل والتحسين المؤثرة. من الأمثلة الجيدة لهذا الدور هو وجود نظام مدمج Integrated Program يجمع عددا من البرامج الإدارية التنظيمية في وثيقة جامعة واحدة ويجمع ممارستها بشكل متسق ومتزامن ومؤتمت، حيث يعالج جزءا كبيرا من الخسارة التي يراها البعض عندما يعتقد بوجود تضارب بين الرقابة والنمو. رأيت من هذه البرامج ما يجمع السياسات والإجراءات بأدوات الرقابة وإدارة المخاطر التشغيلية مع الدمج المباشر لأدوات تنفيذ الاستراتيجية وإدارة الأداء، لذا هي ليست فكرة خيالية وإنما هي فكر واقعي يمكن تطبيقه، ومدخله الأسرع: وجود "مايسترو"، طبيعي أو اعتباري للحوكمة والرقابة.
إنشرها