أكبر من أزمة وأخطر من ركود

|

 
تتجاوز الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد في بريطانيا، في عنفها كثيرا من الاقتصادات الأوروبية الأخرى. ورغم أن الحكومة البريطانية كانت أبطأ الحكومات الأوروبية في إغلاق اقتصاداتها لمحاصرة الوباء، إلا أن اقتصاد المملكة المتحدة تعرض لأضرار كبيرة، خصوصا في ظل الأضرار المتوقعة الناجمة عن إتمام انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي آخر العام الجاري.

علما بأن الجانبين البريطاني والأوروبي، لم يتوصلا حتى الآن إلى أي اتفاق تجاري مع بعضهما بعضا، بل هناك إمكانية إتمام هذا الخروج حتى دون اتفاق، الأمر الذي سيزيد من المصاعب الاقتصادية في بريطانيا في العام المقبل. ومن هنا، يمكن النظر إلى الضغوط الاقتصادية الراهنة من جراء تفشي كورونا، ومؤثرات الوباء ومشكلات تعثر المفاوضات البريطانية - الأوروبية.

رتشي سوناك وزير المالية البريطاني، أكد في منتصف العام الجاري، أن بلاده تعيش ركودا اقتصاديا هو الأعمق منذ 300 عام، واليوم يؤكد مجددا أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد انخفض بصورة غير مسبوقة هذا العام ليصل إلى 11.3 في المائة. ورغم أن النمو شهد ارتفاعا في الصيف، إلا أنه كان نموا قصير الأجل، وهذا الارتفاع تحقق في الواقع نتيجة إعادة فتح الاقتصاد البريطاني كاملا، بعد إغلاق دام أكثر من شهرين. دون أن ننسى، بالطبع، عمليات الإنقاذ الحكومية الخاصة بالقطاعات المختلفة في البلاد، بما في ذلك تسديد النسبة الأكبر من الأجور لموظفين وعاملي القطاع الخاص، فضلا عن الإعفاءات التي أقرتها الحكومة في مجال تسديد القروض الشخصية وقروض الشركات أيضا.

كل هذا رفع مستوى الدين الحكومي إلى أعلى مستوى له في التاريخ الحديث، بحيث تجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي السنوي للمملكة المتحدة. وهو يعد من أعلى الديون في الاتحاد الأوروبي، لكن الحكومة ترى أنه يمكن أن يشهد الاقتصاد البريطاني نموا 5.5 في المائة، العام المقبل، ليصل إلى 6.6 في المائة في 2022، غير أن الاقتصاد لن يعود إلى مستوياته السابقة للأزمة الصحية إلا في نهاية 2022. لكن حتى هذه النسب تدخل في نطاق التقديرات القابلة للتغير وفق التطورات الراهنة على الساحتين المحلية والعالمية.

فكل الدول تنتظر الآثار الإيجابية التي ستنجم عن بدء اللقاحات التي أعلنت حتى الآن للقضاء على كورونا، أو لتوفير الحصانة من هذا الفيروس القاتل، الأمر الذي يترك المجال أمام إمكانية إعادة إغلاق الاقتصادات مجددا، في حال تأخرت اللقاحات، وهذا ما تخشاه أي حكومة. الاقتصاد البريطاني يواجه ضغوط رهيبة من كل الاتجاهات، من الوباء ومن تبعات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

وهذا ما أجبر حكومة بوريس جونسون على ضخ الأموال على مراحل في قلب الاقتصاد الوطني، للتخفيف من آثار هذه الضغوط، ولدعم الأرضية اللازمة لأي نمو متوقع مقبل. إلى جانب ذلك، تعاني البلاد - كغيرها من البلدان الأخرى - ارتفاعا كبيرا للبطالة، ومن خروج مؤسسات بأكملها من السوق، وزيادة نسبة الشرائح التي دخلت نطاق الفقر. الأمر الذي يرفع من حدة هذه الضغوط. وهذا ما دفع وزير المالية للتأكيد أنه سيتم تجميد الأجور في الوظائف العامة، في محاولة للحد من العجز المالي. بل ذهبت بريطانيا أبعد من ذلك، بالترويج إلى أنها تعتزم خفض مساعداتها الإنمائية للعام المقبل 0.5 في المائة.

كل شيء يرتبط في بريطانيا الآن بآثار كورونا وتداعياتها، ومستقبل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، كما أنه قد يتسبب الفشل في تأمين صفقة تجارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي في رحلة انتعاش أطول وأكثر صعوبة. إنها حقيقة مرحلة حرجة لمستقبل الاقتصاد البريطاني.

إنشرها