لماذا الإقبال الكبير على سندات أرامكو الدولية؟

|
قامت شركة أرامكو هذا الأسبوع بإصدار سندات دولية بالدولار بمقدار ثمانية مليارات دولار، وكان الإصدار الأول لها قد تم العام الماضي بمبلغ 12 مليار دولار. سنتحدث عن سبب حاجة أرامكو إلى الاقتراض، ولكن السؤال الأهم لماذا هذا الإقبال الكبير، حيث تجاوزت طلبات الشراء 50 مليار دولار، بينما المطروح فقط ثمانية مليارات دولار؟
هذا بالطبع يدل على أن النظرة الدولية إلى شركة أرامكو إيجابية للغاية، ويأتي ذلك على الرغم من تراجع أسعار البترول والضغوط الكبيرة على ربحية الشركة! لكن هنا نقطة أخرى مهمة وهي أنه من المعروف أن الإقبال على الاكتتاب في السندات يعتمد في نهاية الأمر على العائد، أو الفائدة التي تمنحها الجهة المصدرة للسندات للأطراف التي تقرضها المال، فهل اضطرت أرامكو إلى دفع فوائد عالية لإقناع المستثمرين بشراء سنداتها؟
قبل إعطاء الجواب، دعونا ننظر إلى مقدار الفوائد التي يقدمها المصدرون بشكل عام، حيث نجد أن دولا كثيرة تقترض بالدولار بفوائد عالية تتجاوز 10 في المائة أحيانا. على سبيل المثال نجد أن حكومة تركيا أصدرت أخيرا سندات بالدولار بفائدة بلغت 6.4 في المائة، ومصر كذلك تقترض بالدولار بنسب عالية تتجاوز 7 في المائة، حسب عدد أعوام الاستحقاق، وفي الأزمات الاقتصادية الكبيرة تضطر بعض الدول إلى تقديم فوائد أكبر من ذلك.
بالنسبة إلى سندات أرامكو الأخيرة فتختلف نسبة الفائدة حسب الشريحة التي تم بيعها، ولكن إذا نظرنا إلى شريحة عشرة أعوام، لتكون المقارنة سليمة مع الآخرين، نجد أن الفائدة التي منحتها أرامكو فقط 2.25 في المائة، وهذه نسبة ضعيفة جدا وتعد شهادة كبيرة بحق شركة أرامكو. وقد أعلنت يوم الخميس الماضي وكالة التصنيف الائتماني "فيتش" منحها التصنيف الائتماني من فئة A لهذه السندات الأخيرة.
للمعلومية، بالنسبة إلى حكومة المملكة ممثلة في المكتب الوطني لإدارة الدين فالاقتراض بالريال يكون عادة بحدود 2 في المائة، وكذلك بالنسبة إلى شركة أرامكو فالاقتراض بالريال يأتي كذلك بحدود 2 في المائة، وفي الأغلب يكون قريبا جدا لسعر الاقتراض بين البنوك السعودية، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت ثقة المستثمرين عالية جدا. كذلك هناك تشابه كبير بين الفائدة الممنوحة من قبل الصكوك السيادية السعودية وصكوك شركة أرامكو، وبشكل عام نجد أن العائد تأرجح ما بين 3 و4 في المائة ما قبل أزمة كورونا، ثم ارتفع بقوة لفترة قصيرة بسبب أزمة البترول في آذار (مارس) الماضي حيث تجاوز 4 في المائة لأيام قليلة.
أسواق السندات حول العالم لا تجامل أحدا، كون المسألة عبارة عن أموال تبحث عن فائدة سنوية مناسبة، كما أن مستثمري السندات بشكل عام هم من أعلى المحللين الماليين احترافا في العالم، حيث يقومون بدراسة كل إصدار بعناية فائقة وينظرون إلى جميع الجوانب المتعلقة بالجهة المصدرة، من متانتها المالية ومستقبلها التجاري وطبيعة الدولة التي تنتمي إليها، ومدى الاستقرار السياسي في الدولة، واحتمالات تقلب سعر صرف عملتها، وهكذا. ولن يقبل هؤلاء المحترفون بفائدة متواضعة إلا إذا كانت المخاطرة متدنية، وفي المقابل هناك مستثمرون لديهم الاستعداد لإقراض أي جهة تقريبا بشرط أن تكون الفائدة عالية بشكل يجعلهم يتقبلون المخاطرة المحتملة.
وهذه الأيام نجد أن حكومة الولايات المتحدة، وهي بالمناسبة تقترض بنهم عال وشهية غير محدودة، وهي تعد بالطبع من أقوى الحكومات حول العالم من حيث التصنيف الائتماني ودرجة الموثوقية التي يمنحها المستثمرون، نجدها تستطيع الاقتراض بنسب فائدة متدنية، تبلغ حاليا 8 أعشار 1 في المائة (0.8 في المائة). أما الحكومات الأخرى، فتتفاوت تكلفة الاقتراض عليها، من صفر في المائة في اليابان وتحت الصفر في منطقة اليورو، إلى 3.5 في المائة في الصين و5 في المائة في الهند وإلى أكثر من 6 في المائة في تركيا ومصر، على سبيل المثال.
أما عن سبب كون تكلفة الفائدة صفر وحتى تحت الصفر في الدول المذكورة فيعود إلى تراجع نسبة التضخم في هذه الدول وقيام البنوك المركزية بمعاقبة المؤسسات المالية التي تحاول إيداع احتياطياتها لدى البنوك المركزية، وذلك بهدف ضخ السيولة في الأسواق بدلا من ضخها في البنوك المركزية.
بقيت الإشارة إلى أن سبب قيام شركة أرامكو بالاقتراض يعود في المقام الأول إلى تراجع أسعار البترول وتأثير ذلك في ربحية الشركة، خصوصا تدفقاتها النقدية، ولا سيما إذا علمنا أن لدى الشركة التزاما أمام المستثمرين بصرف ما لا يقل عن 75 مليار دولار سنويا كأرباح موزعة للمستثمرين، بغض النظر عن مبيعات الشركة وأرباحها. هذا الالتزام الكبير بالطبع يدل على ثقة الشركة بمستقبلها، وإلا لما أقدمت على مثل هذا الالتزام، كما تجدر الإشارة إلى أن هذا المبلغ حاليا هو أعلى من ربحية الشركة السنوية وأعلى من تدفقاتها النقدية، وهذا ربما أهم الأسباب التي تجعل الشركة تلجأ إلى الاقتراض، إضافة إلى حاجة الشركة إلى تسديد مستحقات صندوق الاستثمارات العامة بخصوص صفقة الاستحواذ على سابك.
الجانب الإيجابي هنا هو أن التزامات أرامكو في حقيقة الأمر هي للحكومة السعودية ولصندوق الاستثمارات العامة، والسبب هو أن الأرباح الموزعة البالغة 75 مليار دولار معظمها - تحديدا 98.5 في المائة منها - هي من نصيب المالك الأكبر لشركة أرامكو، وهي الحكومة السعودية. كذلك تمت أخيرا إعادة جدولة دفع قيمة شراء سابك بثلاثة أعوام إضافية، وهذا أدى دون شك إلى التخفيف من الضغوط على السيولة لدى الشركة.
إنشرها