الهجرة من الولاية الذهبية

|
شهدت ولاية كاليفورنيا خلال الأعوام الماضية خروج عدد كبير من المجمعات الصناعية، وأخيرا مع تبعات جائحة كوفيد - 19، تضخم حنق رجال الأعمال والمستثمرين والرياديين على الولاية الذهبية، فالمعيشة وممارسة الأعمال بها لم تعد مجدية في نظر كثيرين منهم. باقتصاد يفوق حجمه ثلاثة تريليونات دولار، يتجاوز حجم اقتصاد ولاية كاليفورنيا عديدا من الدول، بل إنها تأخذ المركز الخامس إن قورنت بالدول الصناعية الكبرى، إذ تأتي مباشرة بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا. يقوم اقتصاد هذه الولاية الغنية على التقنية والترفيه والتصنيع والزراعة. تحتل منطقة خليج سان فرانسيسكو فقط المركز الـ 18 على مستوى دول العالم بحجم اقتصادها، وهذا ليس مستغربا فهي تحوي تجمع وادي السيليكون الابتكاري وبها أكبر تجمع للشركات الكبرى في الولايات المتحدة بعد مدينة نيويورك.
ومع ذلك، تعجز الولاية الغنية عن الاحتفاظ بالأعمال والمواهب، فكل الأرقام تشير إلى أن معدل الهجرة إلى خارج الولاية أكبر من معدل الهجرة إليها في الأعوام الأخيرة. وأكثر ما يذكر من أسباب يتجه نحو تكلفة المعيشة، خصوصا الضرائب المتزايدة التي تشكل عبئا كبيرا على الأفراد. تطبق ولاية كاليفورنيا أحد أعلى معدلات ضريبة الدخل على الأفراد التي تتجاوز 13 في المائة، ومع ضريبة الدخل الفيدرالية التي تتجاوز شرائحها الـ 30 في المائة يصبح الأثر في الدخل الفردي كبيرا جدا. وهذا لا يشمل بطبيعة الحال الرسوم والضرائب البلدية والتعليمية والعقارية الأخرى التي تتجاوز كاليفورنيا في معدلاتها الولايات الأخرى. وإذا تحدثنا عن الأعمال وليس الأفراد، ينتقل الحديث نحو عوائق أخرى، مثل الضرائب على الرواتب والرسوم الحكومية الخاصة بالولاية (مثل رسوم تجديد الرخص التجارية)، وبالتأكيد المتطلبات البيئية التي تشتهر بها الولاية.
بالطبع، مصائب قوم عند قوم فوائد، هناك عدد من الولايات الأخرى التي تبحث عن المستثمرين وأصحاب المواهب المتعلمين، والمستهلكين كذلك. تستغل هذه الولايات الظروف وتدعو الجميع للانتقال إليها، سواء بالحملات التسويقية أو التسهيلات والحوافز الحقيقية، حتى إن بعض الولايات تمنح المنتقلين الجدد حتى من داخل الولايات المتحددة منحا وظيفية ومبالغ نقدية تسهل لهم البدء بحياتهم الجديدة. وآخر ما ذهب إليه بعض الولايات هو الدعوات المعلنة للشركات الكبرى للانتقال إلى مدنها، مثلما فعلت ولاية أوكلاهوما في دعوة وإغراء شركة تسلا التي واجهت أخيرا تحديات مع سلطات ولاية كاليفورنيا أثناء الجائحة. بل إن مما يثير التعجب، أن هناك شركات نشأت وتخصصت في تسهيل أمور المهاجرين من ولاية كاليفورنيا إلى الولايات الأخرى تساعدهم على الانتقال الوظيفي والسكني وما إلى ذلك.
ومع أن الولاية الذهبية ذات الاقتصاد الضخم تعج بالفرص والتنوع، إلا أن الضرائب وتكلفة المعيشة ليستا أكبر تحدياتها. معدل البطالة في الولاية دائما ما يكون أعلى من معدل الولايات الأخرى وكذلك الفقر، الذي يتجاوز المعدل الفيدرالي، والبطالة والفقر يرفعان بطبيعة الحال من معدل الجريمة. وهذا من تناقضات الولاية العجيبة، فهي تعج بأصحاب الملايين، هي في الحقيقة الولاية الأمريكية الوحيدة التي يعيش فيها أكثر من مليون مليونير، يقول بعضهم: إن الانتقال السريع من ولاية صناعية زراعية إلى جوهرة الابتكار والتكنولوجيا في العالم هو من حول كاليفورنيا من ولاية منتجة بقوة عاملة متوازنة إلى ولاية مختلة التوازن، يعيش فيها أغنى الأغنياء ولا يزال ثلث سكانها يحصل على أقل من 15 دولارا في الساعة.
عندما أتت الجائحة أصبح الوضع أكثر سوءا، فالعمل عن بعد شجع بعض السكان على الخروج إلى الولايات القريبة أو على الأقل الخروج من المدن الكبرى، خصوصا بعد أن أعلن بعض الشركات أنه سيتيح خيارات العمل عن بعد على المدى الطويل حتى لو تمت السيطرة على الفيروس. وفي الوقت نفسه، ولانخفاض الحركة التجارية، بدأت حكومة الولاية تتعرض للضغط، لذا بحثت في خيارات التمويل وتعزيز مواردها ومن ذلك مزيد من الضرائب. هذه التحركات هي ما يجعل المستثمرين حتى الموظفين أكثر قلقا من مستقبلهم وجدوى الإقامة في هذه الولاية الجميلة طبيعة والقوية اقتصادا.
يتفق كثيرون أن ولاية كاليفورنيا تملك ما لا يملكه عديد من الدول، الطبيعة والثروات والتقدم والإنتاج، وهي اليوم لا تزال تقود العالم بشركاتها التقنية الكبرى. لكن يظهر أن ثروتها لا تكفي للحفاظ على مؤهلاتها، مع حنق عديد من سكانها الذين كانوا يتغنون بها في وقت مضى. ومع تغير ظروف العمل بعد الجائحة، والتنافس الواضح بين المدن لاستقطاب ساكنيها، تطرح لنا كاليفورنيا ومن ينافسها مشهدا حيا لعوامل الجذب والطرد التي ترتبط بعالم الأعمال والمواهب، وفي هذا كثير لمن يريد النظر والاستفادة.
إنشرها