السعودية من السوق النفطية إلى قمة العشرين

|

لم يكن بالإمكان عقد قمة العشرين العالمية التاريخية لهذا العام بهذا الشكل وهذه الطريقة إن لم تكن المملكة تمسك بزمام القيادة. لقد مرت أيام العام والاجتماعات الطويلة والمناقشات الجادة بصورة سلسلة جدا، رغم الجائحة، وكأن كورونا لم يكن. عملت اللجان كلها، واجتمع كل الوزراء، ورفعت المحاضر والقرارات، ويعجز القلم عن وصف المشهد العظيم وكيف تم لجم عقال التقنية، لتكون الحصان الأسود في هذا السباق، وكيف ظهرت الاتصالات ميدانا مبهرا، وسادت روح العصر من الابتكار والتفاعل بين الإنسان والآلة في هذا الموقف المهيب. إنها السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان. فالوقت مهم، وقبول التحديات سمة، والنجاح طبيعة لازمة، والعقبات مصدر إلهام، والأدوات ابتكار دائم.
بدأت التحديات مبكرا وكبيرة جدا، فعندما أصبحت أزمة كورونا واقعا مريرا، وانقطعت وسائل التواصل المباشر كلها، ولم تعد هناك فرصة للحياة الطبيعة إلا من وراء الشاشات، كان الملك سلمان يقود سفينة العالم ويرى بحكمته خطورة الأمر وتأثيراته، لذا دعا جميع قادة العالم إلى اجتماع طارئ ومبكر من عمر الأزمة، وفي وقت لم تعقد حتى أبسط الاجتماعات الإدارية بهذه الطريقة، لكن الملك سلمان كان واثقا بدولته وكل وسائل التواصل المتوافرة، والبنية التحتية للاتصالات في المملكة، والكوادر البشرية المؤهلة تماما لتنفيذ اتصال بهذا الحجم، وبما يشرف المملكة ويحقق الفرصة الكاملة للنقاشات، مع ضمانات لا تجهل هذا النوع من الاتصالات والاجتماعات، فكان النجاح كبيرا وتاريخيا، وسيسجل بماء الذهب للسعودية، وكلنا فخر بقيادتنا وشبابنا ومؤسساتنا، فنحن في هذه القمة دون أدنى شك، والقمة هي الهمة التي سنلهم العالم من خلالها، وسنحافظ عليها جيلا بعد جيل.
عندما تسلم الأمير محمد بن سلمان، قيادة قمة العشرين من دولة اليابان بنهاية عام 2019، لم يكن في الحسبان أن يواجه العالم هذا التحدي الضخم جدا، وكانت الرؤى القائمة حينها ترتكز على تعزيز النمو العالمي، وحل الخلافات الاقتصادية، ودعم الاقتصاد الرقمي، جنبا إلى جنب، عدة قضايا تتعلق بالبيئة وبالإنسان وبتمكين المرأة، لكن ما إن أخذت المملكة بزمام الحدث، حتى اندلعت الأزمة الصحية من الصين، وواجه العالم تهديدات الكساد الكبير المقبل، نتيجة الإغلاق الاقتصادي الذي تم لمواجهة الانتشار السريع للمرض وخطورة تأثيره في الصحة العامة، كما تم فرض حظر التجول وإيقاف الأعمال التي تتطلب تقاربا اجتماعيا، وبقي الموظفون في منازلهم عدة أشهر. وفي صورة بمثل هذا الشكل، فإن أي احتمالات لخروج قمة العشرين بقرارات تواصل فيها مسيرتها التي انتهت بها من اليابان، يعد من باب الاحتمال الصعب جدا، لكن هذا ليس كذلك في دولة ترى همتها القمة، ولها رؤية طموحة يقودها شاب ذو إصرار لا يلين، هو الأمير محمد بن سلمان. لقد تمكنت المملكة بتوجيهاته ومتابعته المستمرة، من تحويل الأزمة إلى فرصة للعمل، فمع انعقاد القمة الاستثنائية فاز الاقتصاد العالمي بتمويل ضخم بلغ أكثر من 11 تريليون دولار، كما فازت الدول الفقيرة بحزم كبيرة من الإعفاءات، سواء من الديون أو فوائدها، وهذا سيكون له أثر إيجابي بالغ الأهمية في العقد المقبل.
ليس هذا فحسب، بل تم إنجاز كل الاجتماعات لكل مجموعات العمل، وسلمت تقاريرها لخادم الحرمين الشريفين، تباعا، وشهد الشهر الماضي سباقا محموما من أجل إنهاء جميع التصورات والآراء التي سترفع إلى القادة لاتخاذ القرارات التي من شأنها الاستمرار في دعم الاقتصاد العالمي وإعادته إلى مسار النمو المتوقع في منتصف العام المقبل. كما نجحت المجموعات في استكمال العمل على توصيات القادة التي انتهت إليها اجتماعاتهم في اليابان، من ذلك - على سبيل المثال - دفع التقدم المحرز نحو إيجاد نظام ضريبي دولي يتسم بالعدل والاستدامة والحداثة على الصعيد العالمي. ومن ذلك أيضا، بحث السبل لتوحيد المواصفات القياسية والاستفادة منها بشكل أكبر لتمكين الدول والمؤسسات الوطنية من مواجهة الأزمات، وحث دول العالم كافة على التوجه السريع نحو التحول الرقمي في الخدمات الحكومية والخاصة، بما يعزز الجهود الدولية المبذولة لرفع مستوى وكفاءة الأداء، وبما يمنح مواطني العالم حقوقهم في الحصول على خدمات عالية الجودة، وفي أسرع وقت وبأعلى درجات الأمان، وقضايا أخرى تتعلق بالتوظيف ووجود حماية اجتماعية لأنماط العمل الجديدة. وهذا غيض من فيض حزم القرارات التي من المتوقع أن تصدر عن اجتماعات القادة، وستلهم العالم - بلا شك - وتستنقذه من براثن هذه الأزمة الصحية والاقتصادية الطاحنة.
لقد ألهمنا العالم بقمتنا، فالعالم كان بحاجة إلى دولة بحجم المملكة وقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح وفي وقته الصحيح. كانت المرونة الكاملة في العمل والرغبة الصادقة في النجاح والتعاون الحقيقي لما فيه خير الإنسانية هي مرتكزات النجاح الأساسية، وهي السياسة التي تعمل عليها المملكة في قيادة السوق النفطية، حيث تحولت "أوبك" إلى "أوبك +"، ثم أصبحت مظلة للسوق النفطية يلجأ إليها المنتجون والمستهلكون على حد سواء، فهي تعمل على تحقيق استدامة إمدادات الطاقة، وتحقيق التوازن، وليس من أجل الصراع الذي يحدث الفوضى وينتهي بالتباطؤ الاقتصادي العام. إنها السعودية، تلهم العالم من السوق النفطية إلى قمة العشرين، وهي تعمل على أن تصبح سيدة القرار العالمي في الاستثمارات السيادية، والطاقة المتجددة، والترفيه، وابتكارات الرقمنة والذكاء الصناعي. العقد المقبل لنا - بإذن الله - وسنلهم العالم دوما كما ألهمناه هذا العام.
إنشرها