الأسمنت يربط العالم الحديث معا بالمعنى الحرفي. هذا المسحوق الرمادي الناعم اللين هو المكون الرئيس للخرسانة، التي توصف غالبا بأنها ثاني أكثر المواد استهلاكا على وجه الأرض بعد الماء. كونه مادة بناء، فهو موجود في كل مكان، من الجسور والمباني إلى أنابيب الصرف الصحي والمنحوتات.
ربما يكون التأثير المدمر للأسمنت في كوكبنا أقل وضوحا. بسبب الحرارة والعمليات الكيميائية المتضمنة في تصنيعه، يمكن أن ينتج عن طن من هذه المادة كمية من ثاني أكسيد الكربون لا تقل كثيرا عن معادل وزنها في أسوأ الحالات، وفقا لبعض التقديرات.
لو كانت صناعة الأسمنت بلدا، فسيكون ذلك البلد ثالث أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بعد الصين والولايات المتحدة، فهو يمثل نحو 8 في المائة من الإجمالي السنوي.
في حين أن كثافة الكربون في القطاع -متوسط كمية غاز ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الناتج- انخفضت 18 في المائة منذ عام 1990، إلا أن إجمالي الانبعاثات زاد بمقدار النصف تقريبا خلال الفترة نفسه، وفقا لمؤسسة تشاثام هاوس الفكرية البريطانية.
إذا أردنا أن نتجنب كارثة مناخية كاملة، فإن الأسمنت هو أحد مجالات الاقتصاد التي سيتعين عليها إحداث أكبر تقليص في بصمتها الكربونية من بقية المواد. وهذا يعني طرح أشكال جديدة صديقة للبيئة وتعديل العمليات الصناعية الملوثة.
تدعي إحدى الشركات الشابة في فرنسا أنها رائدة في هذا المجال على المستوى التجاري. تقول "هوفمان لتكنولوجيات الأسمنت الأخضر" التي أسست عام 2014، إن طريقها التصنيعي الجديد يمكن أن يخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى أربعة أخماس أسمنت بورتلاند التقليدي.
على عكس طريقة الإنتاج التقليدية، حيث يتم تسخين خليط من الحجر الجيري المطحون طحنا ناعما والطين في فرن عند درجات حرارة تصل إلى 1450 درجة مئوية، فإن التقنية التي ابتكرتها الشركة الناشئة، الحاصلة على براءة اختراع، هي تقنية باردة لا تستخدم أحجارا مستخرجة حديثا.
بدلا من ذلك، تقوم التقنية على استخدام المنتجات الثانوية الصناعية مثل خبث الأفران العالية، والطين الرخو، والجبس الذي يتم سكبه في ما يشبه الصوامع الزراعية الطويلة مع مواد التحفيز الكيميائية.
يوضح جيروم كارون كبير الإداريين الماليين: "نحن لا نستخدم الموارد الطبيعية. هذه عملية خالية من الحرارة -ليس لدينا فرن ولا مدخنة. نقوم فقط بخلط هذه المنتجات الثانوية مع المنشطات في خلاط كبير للحصول على مسحوق، وهو أسمنت أخضر منزوع الكربون".
في حين يقول "هوفمان": إن طنا من الأسمنت القياسي يمكن أن ينتج عنه الكمية نفسها تقريبا من ثاني أكسيد الكربون، فإن منتج المجموعة الفرنسية يولد 188 كيلوجراما فقط. بعد جمع 75 مليون يورو من خلال تعويم الشركة في سوق الأسهم قبل عام، بدأت الآن العمل في منشأة إنتاج ثانية وحصلت على عقود على مدى عدة أعوام لتزويد مقاولي بناء رئيسين.
نظرا لأن الاستدامة تصبح أولوية أكبر للعملاء في مجال البناء، فقد أثبتت العلامة التجارية الخضراء أنها مربحة. بحلول عام 2026، تقول هوفمان: إنها تهدف إلى تحقيق هامش ربح 40 في المائة، تقول إنه يقارب ضعف ما لدى شركات تصنيع الأسمنت الرئيسة.
يضيف كارون: "لدينا سعر ممتاز لأننا الوحيدون الذين يبيعون منتجا بمثل هذا الأداء البيئي".
بالنسبة لشركات تصنيع الأسمنت المعروفة التي لديها مجموعة قائمة من البنية التحتية وسلاسل توريد وعملاء، فإن البدء من نقطة الصفر ليس خيارا قابلا للتطبيق. بدلا من ذلك، تسعى إلى معالجة المصدرين الرئيسين لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الأسمنت.
ولأن نحو 40 في المائة يأتي من حرق الوقود الأحفوري لتسخين الأفران، يحاول كثير من الشركات تحسين الكفاءة عن طريق تركيب معدات أحدث أو عن طريق اختيار أنواع وقود بديلة منخفضة الكربون.
لكن أكثر من نصف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصادرة عن الأسمنت تأتي من تكليس الحجر الجيري الذي ينتج حجر خفاف بورتلاند، وهي المادة الصلبة التي تستخلص من الفرن وتطحن لتكون المكون الرئيس في الأسمنت.
نظرا لأن حجر الخفاف ينتج عن تفاعل كيميائي يزيل الكربون من الصخور، فلا يمكن ببساطة تجنب ثاني أكسيد الكربون. للتغلب على هذا، يقوم بعض المنتجين بزيادة حصة بدائل حجر الخفاف في الأسمنت، مثل الرماد المتطاير أو خبث الفرن العالي، أو حتى مواد رابطة بديلة تماما.
هناك مجال آخر قيد الاستكشاف ليس فقط من قبل مصنعي الأسمنت لكن الصناعات الثقيلة الأخرى مثل الفولاذ والكيماويات، وهو ما يعرف بتكنولوجيا احتجاز الكربون وتخزينه واستخدامه CCSU، وتم تصميمها لاحتجاز وإعادة تدوير غاز النفايات.
هذا هو أحد الخيوط التي تنتهجها أكبر شركة أسمنت في العالم، لافارج هولسيم، التي زادت أخيرا هدفها لخفض الكربون إلى 20 في المائة بحلول نهاية العقد إلى 475 كيلوجراما / طن من المواد.
تقوم الشركة السويسرية متعددة الجنسيات بتعديل خمسة مصانع قائمة في سباق لتطوير ما تقول إنه سيكون أول منشأة إنتاج أسمنت الصفر الصافي بحلول عام 2030.
يقول جان جينيش الرئيس التنفيذي: "نحن نعمل أيضا على مواد رابطة جديدة، تتطلب درجة حرارة منخفضة، أو مواد لا تتطلب درجة حرارة. هذا ربما يتطلب قدرا أقل بكثير من احتجاز ثاني أكسيد الكربون".
من خلال استبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة متجددة، وتحسين كفاءة الطاقة وتقليل محتوى حجر الخفاف، يمكن لصناعة الأسمنت تقليل انبعاثات الكربون على المدى القصير بنحو 30 في المائة، وفقا لبيت أبحاث الأسهم ريدبيرن.
لكن هناك شكوك حول مكان تحقيق مكاسب ذات مغزى بمجرد قطف الثمار القريبة من متناول اليد. تكنولوجيا اقتناص وتخزين الكربون باهظة الثمن ولا تزال غير مثبتة إلى حد كبير على نطاق واسع، بينما يظل الأسمنت منخفض الكربون حتى الآن من المنتجات المختصة نسبيا.
يقول إليفثيريوس شارالمبوس، وهو شريك لدى شركة ماكينزي وشركاه الاستشارية: "نرى أن شركات الأسمنت والرؤساء التنفيذيين يضعونها على رأس جدول أعمالهم".
"لكن إذا أردنا التحدث عن أسمنت خال من الكربون، أو أسمنت خال من الكربون تقريبًا، استنادا إلى تكنولوجيا اليوم، فسيكون أقرب إلى عام 2050 من عام 2030، ما لم يكن هناك فتح قوي في التكنولوجيا".

