بعد فوزه بانتخابات الرئاسة الأمريكية أصبح على جوزيف بايدن أن يمتلك رؤية مبتكرة لمواجهة التحديات الخطيرة التي تنتظر رئاسته.
وبحسب "الألمانية"، فعندما يتولى الرئيس المنتخب منصبه في كانون الثاني (يناير) المقبل، سيواجه أكبر تحديين هما جائحة فيروس كورونا المستجد المستمرة، والخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه الجائحة. لكن سيخوض معركة لوضع أجندة سياسات جريئة، يأملها كثيرون من أنصاره. وباستثناء مفاجأة انتخابات الكونجرس في ولاية جورجيا، فإن الحزب الجمهوري سيحتفظ بالأغلبية في مجلس الشيوخ وهو ما يعني أن بايدن لن يتمكن من الانفراد بتشكيل الحكومة، كما كان الحال بالنسبة لسلفه الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب، حيث إنه من أهم وظائف مجلس الشيوخ التصديق على تعيينات الرئيس في كثير من المناصب الحكومية الرئيسة.
ويرى المحلل الأمريكي نوح سيمث في تحليل نشرته وكالة "بلومبيرج" للأنباء، أن بايدن قد يتمكن من تمرير سياسات اقتصادية موجهة تستهدف قطاعات محددة بشكل مباشر، إذا لم يتمكن من تمرير حزم التحفيز والإنقاذ الاقتصادي التقليدية الكبيرة.
وعلى الرغم من التحسن السريع، الذي يسجله الاقتصاد الأمريكي منذ نيسان (أبريل) الماضي، فإن هذا التحسن ما زال جزئيا، فالتوظيف عاد بالكاد إلى نصف مستواه قبل الجائحة، والعمال ذوو الأجر المنخفض، الذين يعمل أغلبهم في شركات الخدمات المحلية الصغيرة وهم الأشد تضررا من الجائحة ما زالوا يعانون.
وبحسب نوح سميث يعاني الاقتصاد الأمريكي مرضين متزامنين، الأول هو الخوف المستمر من الفيروس، فهذا الخوف أدى بشكل أكبر من إجراءات الإغلاق إلى منع كثيرين من الأمريكيين من الخروج من منازلهم، سواء للتسوق أو لتناول الطعام، وهو ما أدى إلى العلة الثانية، التي يعانيها الاقتصاد وهي تراجع الطلب الاستهلاكي المحلي، الذي تفشى في كل قطاعات الاقتصاد.
وعلى الرغم من أن الخوف من فيروس كورونا المستجد سيتراجع خلال الفترة المقبلة مع ظهور اللقاحات المضادة له والمنتظر طرحها أوائل العام المقبل، فإن احتمالات استمرار تراجع أداء الاقتصاد تظل قوية.
ومن غير المحتمل أن يتمكن بايدن من تمرير حزم تحفيز اقتصادية كبيرة كتلك التي مررها ترمب في السابق، وأسهمت في تخفيف المعاناة الاقتصادية في بدايات الجائحة، وذلك بسبب سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ واعتزامهم تبني إجراءات تقشفية، الأمر نفسه قد تصطدم به محاولة بايدن تحفيز الاقتصاد اعتمادا على زيادة الإنفاق العام على مشروعات البنية التحتية.
في ظل هذه الافتراضات يمكن لبايدن تبني إجراءات موجهة تساعد القطاعات الأشد تضررا من جائحة فيروس كورونا وهي قطاعات الخدمات المحلية.
فالمعروف أن المطاعم والمتاجر وغيرها من المؤسسات، التي تقدم الخدمات المباشرة للعملاء تعرضت للإفلاس بأعداد ضخمة. وبعد انتهاء خطر الفيروس قد تحاول الحكومة الأمريكية إنعاش الاقتصادات المحلية، من خلال دعم المتاجر الجديدة لإعادة ملء واجهاتها الفارغة، التي تنتشر على امتداد القطاع الحضري في الولايات المتحدة. وسيتم تشغيل بعض هذه المتاجر من قبل أصحابها نفسها، الذين أفلسوا خلال الجائحة، في حين قد يتولى مستثمرون جدد إدارة بعضهم الآخر منها. لكن كل هذه المتاجر ستوفر وظائف جديدة للأعداد الكبيرة من العاطلين الحاليين، والذين سيعود أغلبهم إلى الوظائف نفسها التي كانوا يمارسونها في 2019.
ويرى المحلل نوح سميث أن دعم المشروعات المحلية الجديدة سيحقق عدة أهداف في وقت واحد، فهذا الدعم سيعيد العاطلين إلى وظائفهم، التي يعرفونها، وسيبدأون ضخ الطلب في أوصال الاقتصادات المحلية. وسيؤدي ذلك إلى تقليل أعداد العاطلين في قطاع تجارة التجزئة الأمريكي. وسيساعد ذلك في المحافظ على فئة الشركات الصغيرة.
هذا العنصر الأخير يمكن أن يجعل حزمة الدعم الجديدة للشركات الصغيرة جذابة للجمهوريين في مجلس الشيوخ لأن أصحاب الشركات الصغيرة يعدون تقليديا قاعدة انتخابية للجمهوريين.
ويرى نوح سميث أن هذه البرامج للدعم ستكون موجهة بدرجة عالية، وتنتهي بمجرد استعادة كل الوظائف التي سبق شطبها في القطاع التجاري، ويحد من تكلفة برنامج الدعم وتجنب الظهور بمظهر إنفاق أموال دافعي الضرائب بشكل عشوائي.
في المقابل، قد يشعر المتطرفون في دعم قواعد السوق الحرة بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى تأخير التحول المطلوب للمزيج الصناعي للولايات المتحدة والمتمثل في التحول نحو التجارة الإلكترونية. فقد أدت الجائحة إلى زيادة الاعتماد على خدمات التجارة الإلكترونية كبديل للمتاجر المحلية التقليدية. وأصبح الناس يشاهدون الأفلام عبر موقع نتفليكس بدلا من الذهاب إلى دور السنيما، وأصبحوا يشترون احتياجاتهم من موقع أمازون بدلا من الشراء من المتاجر. وهنا يثور السؤال هل هذا التحول يجب أن يكون أولوية اقتصادية في المرحلة الحالية؟
وبحسب نوح سميث، فإن فوائد الإنعاش السريع والمنخفض التكلفة للاقتصادات المحلية الأمريكية تفوق بشدة الخسائر الناجمة عن تأخير التحول الرقمي.
من جهته، عد بيتر ألتماير وزير الاقتصاد الألماني، فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية فرصة لبداية جديدة في العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة.
وقال السياسي المنتمي للحزب المسيحي الديمقراطي في تصريحات لإذاعة ألمانيا أمس: "أعتقد أن هذه فرصة لإعادة بعض الأمور إلى مسارها الصحيح، بعد أن تطورت على نحو غير موات في الأعوام الأخيرة".
ويتوقع ألتماير إحراز تقدم خاصة في سياسة المناخ، موضحا أن إعلان بايدن أنه يعتزم إعادة الانضمام إلى اتفاقية باريس لحماية المناخ يعني أن "هناك الآن فرصة أخرى واحتمال حقيقي بأننا سنمضي قدما معا في حماية المناخ".
وقال ألتماير إنه إذا اتبعت الولايات المتحدة خطط أوروبا واليابان لتصبح محايدة مناخيا بحلول 2050، "فسيكون ذلك جيدا ليس فقط للاقتصاد، ولكن بشكل خاص لكوكب الأرض".
يذكر أن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترمب قد أنهى انضمام بلاده لهذه الاتفاقية.
وفي ضوء الخلاف الجمركي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، جدد ألتماير عرض الأوروبيين لاتفاقية جمركية صناعية واسعة النطاق، موضحا أن الأمر لا يتعلق بتنازلات نظرية من جانب واحد. وقال: "ولكن إذا كانت اليد ممدودة، فإنها ستقابل يدا ممدودة في أوروبا أيضا"، مضيفا أن سياسة ترمب التجارية المتمثلة في "أمريكا أولا" مع تشديد القيود الجمركية "لم يكن لها تأثير إيجابي في الاقتصاد العالمي".

