تطوير العلاقة التعاقدية .. إيجابيات وتحديات

|
لا بد من إدراك أن سوق العمل في المملكة تتطور بشكل متسارع جدا حتى أصبحت المملكة واحدة من الدول التي تعد خيارا مهما لمن يبحث عن فرص عمل خارج بلاده. وتطوير العلاقة التعاقدية أصبح ضرورة في ظل سعي المملكة إلى تحسين البيئة العامة لاستقطاب الكفاءات المتميزة، إضافة إلى المحافظة على فرص أبنائها في الحصول على وظائف مناسبة. تم إعلان النظام الجديد، الذي يصفه البعض بإلغاء نظام الكفالة، في ظل أن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، اختارت له وصفا إيجابيا يسهم في فهم أشمل للهدف من هذا النظام، إذ إنه ليس فقط إزالة لنظام الكفالة، بل تطوير العلاقة بما يحفظ حقوق طرفي العلاقة التعاقدية، سواء العامل أو رب العمل، كما أنه يهدف إلى زيادة جاذبية سوق العمل في المملكة وتنظيمها بشكل أكبر، حيث تكون هدفا للقوى العاملة الماهرة، التي يمكن أن تسهم بشكل إيجابي في الاقتصاد باعتبار أن بقاء النظام الحالي أسهم في كثير من الحالات في إعاقة تطوير بعض الأنشطة الاقتصادية واستمرار وجود منافسة غير عادلة بين القوى العاملة الوطنية والأجنبية، إضافة إلى استغلال البعض لهذه الأنظمة للضغط على القوى العاملة الأجنبية لتحصيل مبالغ مالية غير مستحقة، ما أفسد سوق العمل وأضعف فرص المواطن في العمل.
التحديات التي قد تواجه سوق العمل بسبب هذا النظام الجديد، أن هناك قلقا من قبل جهات التوظيف للقوى العاملة الأجنبية، باعتبار أن مثل هذا التغيير سيجعل من القوى العاملة الأجنبية أكثر حرية في التنقل، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى خسائر كبيرة للبعض، خصوصا الشركات الصغيرة أو الناشئة، فهي ما إن تدرب العامل إلا وتجده ينتقل بشكل سريع إلى شركة أكبر يمكن أن تقدم له فرصا وراتبا أفضل، ما يؤدي إلى خسائر أو تكلفة عالية على تلك الشركات. لكن في المقابل، ماذا لو استمر الحال على ما هو عليه حاليا، حيث إن سوق العمل لا تعد في حالة أفضل، وكثيرا من الأنشطة الاقتصادية الصغيرة تؤول في نهاية الأمر إلى أن تكون مملوكة عمليا للعامل، يتولى إدارتها مقابل مبلغ مالي سنوي يقدمه لكفيله بدلا من أن يبذل هذا الكفيل أي نوع من الجهد، وكل ما عليه أن يهدد العامل بإنهاء علاقته به وترحيله دون أن يكون له أي فرصة للعمل في مكان آخر، ما يجبر العامل على الرضوخ أحيانا وتزيد حالات التستر والهدر في سوق العمل. لذلك، كان من المهم أن تكون هناك علاقة عادلة بين الطرفين، كما أن من شأن مثل هذا النوع من العلاقة أن يجعل جهات التوظيف تحرص على وضع صيغة تعاقدية تحفظ لها حقوقها، وعند إخلال العامل بهذا العقد يتحمل تبعات ذلك قبل التحول إلى جهة توظيف أخرى.
ومن التحديات التي يمكن أن تواجهها سوق العمل، أن جهات التوظيف يمكن أن تواجه ارتفاعا في تكلفة أجور العاملين، إضافة إلى تكلفة في زيادة أوقات العمل خلافا لما هو واقع اليوم، لكن من خلال استقراء كثير من الحالات التي تصل إلى حالة خلاف بين العامل وجهة التوظيف، نجد أن العامل يتسبب في تكلفة عالية على جهة التوظيف بعد وصوله عندما لا يتم اختيار العامل المناسب بسبب تكلفة الاستقدام، أو حتى بسبب ضعف تأهليه عطفا على نوع العمل الذي سيشغله، ومن هنا نجد أن جاذبية سوق العمل يمكن أن تعزز فرص حضور القوى العاملة المؤهلة، كما يمكن أن تجعل جهات التوظيف تفضل القوى العاملة الوطنية على الأجنبية، باعتبار أن هناك تكلفة أقل في إجراءات التوظيف والدعم الحكومي لذلك، إضافة إلى أن القوى العاملة الوطنية مؤهلة بصورة أكبر في مختلف الوظائف.
الخلاصة: إن تطوير العلاقة التعاقدية بين جهات التوظيف والقوى العاملة، متطلب لمواكبة النشاط الاقتصادي ومن مستهدفات رؤية المملكة 2030، كما أن فيها علاقة تعاقدية أكثر عدالة بين القوى العاملة وجهات التوظيف، إضافة إلى أنها تعزز جاذبية السوق في المملكة للقوى العاملة الماهرة والمميزة، وتزيد الفرص الوظيفية للمواطنين. ولذلك، فهي في هذه المرحلة تعد تحسينا لبيئة العمل في المملكة، ويتوقع أن تتغلب إيجابياتها على ما يحتمل أن ينشأ عنها من سلبيات.
إنشرها