الاستثمار في العمل التنظيمي

|
تنفيذي متحمس يكلفه رئيس مجلس الإدارة، الشيخ الثري، بالعمل رئيسا تنفيذيا لشركته العريقة. كان يقول له في رواق الفندق أثناء لقاء التعارف والترتيب، أو المقابلة الشخصية: "أريدك أن تنقل الشركة إلى المستقبل، نحن نؤمن بالشباب ونبحث عن التغيير، نحن بحاجة إلى دماء جديدة ونريد أسلوبا عصريا مختلفا، أنا وجميع الملاك نعرف أنك الشخص المناسب، لديك ضوء أخضر للقيام بكل ما تريد، أتمتة، إعادة هيكلة، تحسين الرواتب، التوسع في أسواق جديدة، بحث وتطوير، منتجات مبتكرة، المهم أن تحافظ على شيئين: الاسم والأرباح، حافظ عليهما، ستحافظ على منافعك من الصفقة التي تشمل مكافآتك ونموك وصنعك للأثر والقيمة، للعملاء وللشركاء وللمجتمع، وقبل ذلك لأسرتك ولنفسك".
بعد عامين تحديدا، مضت فيها دورتان كاملتان من التخطيط والموافقات والتنفيذ والمراجعات، اتضحت للرئيس التنفيذي المساحة التي يسمح له بالعمل بها، كل المروج الواسعة والآفاق الجميلة التي وعد بها ظهرت له كأنها غرفة صغيرة ضيقة بشباك واحد لا يطوله أي أحد، باستثناء بعض العاملين القدامى الذين يحتفظون بسلالمهم التي تمكنهم من الوصول إلى هذه النافذة. تحولت حين ذلك كلمات رئيس مجلس الإدارة التي صنعت له قصة الأمل والتغيير، إلى خدعة كبيرة ومقلب من العيار الثقيل. اتخذ الرئيس التنفيذي الشاب قرار الهرب في أقرب فرصة. الشيء الوحيد الذي يجبره على التروي والهدوء هو مصير الموظفين الذين يعمل معهم. عندما بدأ العمل كان كل أسبوع جديد أكثر قتامة من الذي قبله. مقاومة شديدة للتغيير، دعم من المجلس وأعضائه لمقاومي التغيير، ومجلس إدارة يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، بينما يعالج كل موضوع في ثلاث جلسات. جلسة للسماع وطرح الاقتراحات، وجلسة لمراجعة الطلبات وجلسة لتحديث المستجدات، لأن فترة الانتظار بين الجلستين الأولى طويلة بما يكفي لجعل الموضوع بحاجة إلى تحديث.
ابتدأ هذا الرئيس التنفيذي مساره المهني بالعمل مهندسا يقوم بدور محدد جدا في مكان منضبط، لم تكن طبيعة العمل مطابقة لما درس في الجامعة، لكنها كانت مرتبطة بطريقة ما. من أكبر إنجازاته كان قد تعلم احتساب التكاليف لدراسة أداء المعدات وإعادة ترتيب طريق العمل لتصبح أكثر كفاءة واقتصادية، ما وفر لمكان عمله ملايين الريالات. لكن بعد بضعة أعوام قام بخطوة دراماتيكية، وانتقل إلى إدارة الموارد البشرية في شركة أخرى، خطوة لامه عليها كثيرون. لكنه عرف فيما بعد أنه اكتشف منجما من الأعمال التي تصنع الأثر، فاستمتع واندمج في إدارة عمليات التوظيف حتى انتقل إلى مرحلة إدارة التشغيل، واستطاع بخبرته الهندسية أن يعيد ترتيب مكان عمله رافعا بين مستوى المواءمة والتقارب بين المواهب البشرية المتاحة للشركة، وبين احتياجاتها الإدارية والفنية. كان شخصا مباشرا وعمليا، ممن يعرف عنهم بأنهم جمعوا المعرفة الفنية والإدارية وأفضل الطرق للتعامل مع الناس وقدراتهم ومواهبهم. دائما ما يفخر بأنه ساعد على انتقال رجل أمن أو عامل مشغل إلى وظيفة فنية متقدمة تتطلب مهارة محددة، فضلا عن الإنجازات الأخرى التي دفعت عجلة العمل إلى التوسع والنمو. تنقل بعد ذلك بين بضع وظائف تنفيذية أدار فيها عددا من الشركات باهتمام بالغ وإنجازات كبيرة.
في وظيفته الأخيرة، تأكدت له إحدى صور الفهم التي كان يسمع بها ولا يصدقها. كثير من القادة يتحدث عن الاستثمار في شكل وترتيب العمل لكنه لا يؤمن به. يتحدث هؤلاء بسهولة عن تحسين العمل وتنظيمه، عن تطوير الأنظمة والإجراءات، عن رفع الكفاءة والجودة ويطالبون بها، لكن لا يهتمون بتمكين ذلك على أرض الواقع. بالنسبة لهم، هو أمر يمكن الحديث عنه، لكن العمل من أجله يظل أمرا هامشيا عفويا. يدعى رئيس مجلس الإدارة في المؤتمرات لإلقاء كلمات عن العمل الاستراتيجي والمنظمة الفعالة في خضم التقلبات الاقتصادية، ويحضر كل عام مستشار عالمي ليناقش مع مجلس المديرين والتنفيذيين في ورشة عمل "أولويات الشركة وفرص التقدم"، وبطبيعة الحال يستهلك الاستثمار في الأشخاص والمنظمة تطويرا وتحسينا جل محاور الورشة. لكن حين يبدأ العمل، يبدأ الكسل والتجاهل، فلا تفعيل للصلاحيات المطلوبة، ولا شجاعة في اتخاذ القرار. يريدون حوكمة دون ضوابط تؤخر صفقاتهم المهمة، ويريدون أنظمة تعمل باستثناءات خاصة. لا يعرف بعد هذا الرئيس التنفيذي إذا كان هؤلاء القادة مخادعين وهم يعلمون ذلك، أم أنهم يجهلون مبادئ إدارة الأداء في المنظمات، ومما يزيد استغرابه أن خبراتهم الطويلة تفوق خبرته بعدد طويل من الأعوام. لذا يتساءل أحيانا بينه وبين نفسه، ربما يكون هو نفسه لا يرى الصورة كاملة، وربما يبالغ في توقعاته من إدارات تعمل وتنتقل من إنجاز لآخر بطريقة منحرفة وبعربة مضطربة. الأمر الأكيد الذي لا يشك فيه، أن الاستثمار في العمل التنظيمي أمر مربح بلا شك، للإنسان والمنظمة، وهو أمر يستحق العناء ولا يحصل بمجرد الكلام عنه.
إنشرها