العطاء .. لذة لا يعرفهاإلا النبلاء

|
لا يقتصر العطاء على الصدقات وبذل المال أو دعوة الناس إلى موائد الطعام، ولكن يشمل مساعدتهم على تجاوز مشكلاتهم وهمومهم أو معالجة أمراضهم العضوية والنفسية دون الطمع في مقابل أيا كان نوعه، ماديا أو معنويا، علاوة على استقبال الناس بطيبة وبشاشة. وفي هذا الخصوص، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إِنَّكُم لَن تَسَعُوا النَّاسَ بِأَموَالِكُم، وَلَكِنْ يَسَعُهُم مِنكُمُ بَسطُ الوَجهِ وَحُسنُ الخُلُقِ». وعلاوة على ذلك دعا المصطفى - عليه الصلاة والسلام - إلى ما هو أشمل وأعم من ذلك وهو محبة الخير للآخرين، حيث قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ».
على الرغم من أن التاريخ العالمي والمحلي يزخر بقصص العطاء والإحسان بسخاء، أمثال: أندرو كارنيجي Andrew Carnegie الذي يقول "عار على الرجل أن يموت غنيا"، ورجل الأعمال الأمريكي بيل جيتس، ورجل الأعمال السعودي سليمان الراجحي وغيرهم، فإن هناك أمثلة لا يعرفها الناس وأثرها لا يقل أهمية، بل تلامس حاجات الناس بأرقى معاني الإنسانية وأكثرها رقة. فمن القصص غير المعروفة قصة طبيب سعودي يخصص يوم الخميس للذهاب إلى بعض المناطق البعيدة عن مقر عمله في الرياض لمعالجة الناس مجانا. وفي دول أخرى، هناك أصحاب مطاعم يخصصون وجبات لمن لا يستطيع دفع قيمة وجبة الغداء، وتتناقل وسائل الإعلام عن مطعم في إيطاليا يحث زبائنه على دفع قيمة وجبة إضافية، تخصص لمن لا تتوافر لديه الإمكانات المالية لدفع ثمن الوجبة، وفي مصر مطعم بالقاهرة يقدم وجبات للفقراء لمدة ساعة يوميا من الخامسة إلى السادسة مساء، وكذلك مطعم في أمريكا يتيح للمرتادين شراء وجبة إضافية وتعليق كرت في لوحة بجوار الباب بحيث يستطيع المستحق أخذ الكرت للكاشير ودفع قيمة الوجبة بكرامة.
هذه النماذج وأمثالها تستحق أن تنتشر ويزداد تطبيقها في مجتمعاتنا للحد من انتشار التسول المهين لكرامة الإنسان، وللحد من إمكانية إنفاق المبالغ المالية من قبل المستفيد في مصارف لا تعود بالخير عليه، أو قد تضر بالمجتمع وأمنه وسلامة أفراده. أقول ذلك وأنا أعرف أن هناك من لا يحترم روح العطاء لدى الآخرين وربما يستغل طيبتهم ويمعن في التحايل عليهم لدفع فاتورة المشتريات من السوبر ماركت أو استدرار عطفهم للعطاء من خلال عرض فواتير الكهرباء أو وصفات العلاج ونحوها.
في الختام، أقترح الإبداع في العطاء من أجل تعظيم أثره في المستفيد، إما بتخصيص وجبة يومية من قبل صاحب المطعم لمن لا يستطيع الدفع، أو دفع قيمة وجبة إضافية من قبل الزبون لكي يستفيد منها شخص آخر لا يستطيع دفع ثمن وجبة الغداء، أو تقديم دورات مجانية من قبل مراكز التدريب ونحوها، كما أدعو الجمعيات الخيرية إلى بذل مزيد من الجهود لتلمس حاجات الأسر، وتلبيتها أو عرضها على فاعلي الخير من الأفراد ورجال الأعمال لتوجيه أعمال الخير لمن يستحقها بالفعل، للحد من التسول في الشوارع، مع ضرورة توسيع دائرة الأعمال الخيرية لتشمل مجالات التعليم والتدريب، فالمثل الصيني يقول: "لا تعطني سمكة.. ولكن علمني كيف أصطاد السمك".
إنشرها