أخلاقيات الأعمال .. محطات جديدة

|
لا يخفى على أحد أن ممارسات الأعمال في المملكة تشهد تغييرات جذرية على أكثر من صعيد. هناك عدد كبير من التغييرات التشريعية والتنظيمية التي نظمت وطورت وجددت الأعمال، وأنشأت كذلك عددا كبيرا من التحديات تطلبت هذه التحديات سرعة الاستجابة والمرونة الاستراتيجية والإدارية وما زالت تتطلب كثيرا. وفي الوقت نفسه تستمر التطورات التقنية في تصاعد لا يمكن تجاهله، تطورات عالمية سريعة وتطورات محلية كذلك غيرت من شكل ومستوى تقديم الخدمات العامة والحكومية. وفي خضم هذه التغييرات وعدد من التغييرات الاجتماعية والسلوكية والاقتصادية الأخرى، نتساءل، إلى أي حد يتطور الوعي حول أخلاقيات الأعمال إجمالا؟ وهل هناك استجابة أخلاقية لما يحصل اليوم، تطبيقا وممارسة؟.
هناك عدد من العوامل التي تزيد من حدة التقاطع بين قواعد الممارسات الأخلاقية وبين الواقع نفسه، وبعيدا عن التأطير الفلسفي والقيمي لما يحصل اليوم وماذا يجب أن يكون، أرى أن التسارع الموجود في ممارسات الأعمال يحتم وجود تسارع مقارب في تطور أخلاقيات الأعمال. أي تباعد بين الاثنين يعني نموا سريعا في الإشكالات الأخلاقية على عدد كبير من الأصعدة. ومما يزيد حجم هذا التحدي، أن النمو السريع في طبيعة وعدد الشبهات والأزمات الأخلاقية لا يعني ظهوره على السطح بالضرورة، فهذه التحديات تحصل وقد تؤثر بشكل سلبي في عدد من الأشخاص وربما الآلاف منهم، ولا يشعر بها أحد، بل قد تؤثر في أجيال لم تأت بعد.
نرى في هذا التقاطع المهم محطات جديدة ومختلفة لأخلاقيات الأعمال، نراها أحيانا كمحطات مهمة تحت التشييد والبناء وأحيانا محطات ما تزال قيد الفهم والاستدراك. هناك، على سبيل المثال، ما يتأثر بارتفاع التوقعات وتغير مفهوم القيمة وجودة الأداء إجمالا. عندما تتمكن ممارسات الأعمال من تحسين القيمة للعميل وتطويرها بشكل لم يعهد له مثيل، تتقلب تعريفات القيمة لدى المستهلك إذ تتأثر الرغبات بالقوة الإعلامية والتقدم التسويقي الذي يستغل المستهلكين، وكلما تطورت هذه القوة اضطرب التوازن العادل، ما يتطلب مزيدا من الضوابط الأخلاقية، التي تخرج إن نجحت في الخروج بشكل ردة فعل جدلية أو متأخرة.
يزيد الانكشاف الاجتماعي الذي يسلط الضوء على الظواهر والحوادث من هذه التقاطعات ويجعل محطات التوقف الأخلاقية أكثر زخما. تلعب التفاعلات الاجتماعية الجديدة، خصوصا ما يحصل في الإعلام الاجتماعي المفتوح دورا معقدا وجديدا اليوم في كشف الستار عن ممارسات وظواهر مثيرة يبدي الجميع رأيه حولها دون مرجعيات واضحة في غياب قواعد جاهزة قابلة للربط أو ممكنة للمعالجة المقبولة والواضحة. سواء كانت ممارسة الأعمال تصنع معضلة تنافسية أو عنصرية أو غير ذلك، سترى أن الصدى مشوش وعال، ورغم أن تسليط الضوء مفيد إلا أنه أكثر قد يكون أكثر ضررا من غيابه إن لم يخرج بنتيجة إيجابية واضحة للجميع. وربما تضفي هذه القيمة الجديدة تحديات جديدة لم تكن موجودة في الحسبان، تطور آليات الرقابة والفحص والتحقق، على سبيل المثال، أسهمت في خروج عدد أكبر من المشكلات والأخطاء والعيوب، ومثل هذه المخرجات تتطلب معالجات ملائمة. عندما تضعف دورة المعالجة التابعة لدورة الاكتشاف، نخرج بتحد أخلاقي قائم على المعرفة أكبر من التحدي الأخلاقي السابق القائم على الجهل. من أمثلة ذلك، اكتشاف الأخطاء في نظام تشغيلي كان يقوم بعمله دون ملاحظة هذه الأخطاء، أو فحص جيني يكشف طفرات لم تكن ملاحظتها واردة قبل عدد من الأعوام، قدرتنا على اتخاذ القرارات اللاحقة لهذه المعرفة الجديدة ليست أسهل بالضرورة، سواء كان القرار مرتبطا بتغيير نظام تشغيلي بديل للسابق أو اتخاذ قرار بالزواج أو الحمل.
هناك من المحطات الأخلاقية الجديدة ما هو مرتبط بعدد من التعرضات الجديدة التي لم تكن موجودة من قبل، مثل القدرة والحاجة إلى إدارة البيانات بما في ذلك جمعها ومعالجتها وحمايتها. وفي ذلك كثير من التفاصيل التي أصبحت اليوم أكثر ارتباطا بعالم الأعمال بسبب تطوراته المستمرة، الاستفادة من البيانات لم يعد خيارا متاحا لمن يود التقدم، بل مطلبا ملحا يفرض على صانع قرار الاستفادة من البيانات صناعة قرارات أخرى أكثر جدلا مثل تداول البيانات وبيعها وشرائها. ومن التعرضات الجديدة ما ينشأ في بيئات العمل المتغيرة، على سبيل المثال آثار التوظيف المحلي المتزايد للجنسين أو ظروف الجائحة الأخيرة مثل العمل عن بعد، كل توقف هنا سينبئنا بقائمة طويلة من التقاطعات الأخرى التي تستحق التوقف.
قائمة المحطات الأخلاقية الجديدة التي تتأثر بممارسات الأعمال المتجددة لا تنتهي. إضافة إلى ما ذكرت من أمثله سنجد كثيرا من المواضيع الشيقة والمثيرة والصعبة، كأخلاقيات الإدارة وتطبيقات الحوكمة ومثلها كذلك لو انتقلنا للجوانب المحاسبية والاستثمارية، أو نظرنا في التعامل مع البيئة والإنسان مع الحاجة المتزايدة إلى الاستفادة من البيئة للإنسان. العبرة ليست في كثرة المحطات والتقاطعات أو قلتها، وإنما في أهمية الوقوف عندها والدفع بتسريع حل المعضلات وتسريع تطور الأخلاقيات المختصة بشكل متوازن، والحمل هنا على أهل التنظيم والاهتمام كالمشرعين والمراقبين والمهنيين، وبالطبع، الممارسين أنفسهم.
إنشرها