عندما سمعت ماريانجيلا سيماو، من منظمة الصحة العالمية، لأول مرة عن فيروس كورونا الجديد في بداية هذا العام، لم تتوقع أبدا أن يغير بشكل جذري ديناميكيات السوق في صناعة الأدوية.
لكن الآن، بعد وفاة مليون شخص ومرور أكثر من سبعة أشهر على إعلان منظمة الصحة العالمية عن تفشي الوباء، تغيرت الأمور. تقول مساعدة المدير العام لمنظمة الصحة العالمية للوصول إلى الأدوية: "لقد رأيت أشياء لم أرها من قبل، حتى الأشياء الجيدة".
بدأت شركات الأدوية ـ التي عادة ما تكون حامية غيورة على تكنولوجيتها وملكيتها الفكرية ـ في التعاون بدرجة غير مسبوقة من أجل التعجيل بتطوير وتصنيع اللقاحات والأدوية وأدوات الفحص.
قبل عشرة أعوام، هذا المستوى من التعاون بين الشركات كان أمرا "لا يمكن تصوره"، كما تقول الدكتورة سيماو، التي تتمتع بخبرة 40 عاما في مجال الصحة العامة.
مثلا، تتعاون "سانوفي" الفرنسية مع "جلاكسو سميث كلاين" البريطانية لتطوير لقاح. تضافرت جهود كل من "جيلياد" و"روش" لفهم كيفية عمل اثنتين من عقاقيرهما، "ريمديسفير" و"توسيليزوماب"، في مرضى كوفيد - 19 ذوي الأعراض الحادة. والقائمة تطول.
في الوقت ذاته، تتسارع الجهود لتوسيع فرصة وصول الدول ذات الدخل المنخفض إلى لقاح آمن وفعال، عندما يتم العثور عليه.
مرفق كوفاكس التابع لمنظمة الصحة العالمية - وهو تعاون مع التحالف العالمي للقاحات والتحصينات "جافي" والتحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة "سيبي" – يستخدم جاذبية الطلبات الكبيرة لتأمين جرعات للدول الفقيرة. أتاح له حجمه الكبير مواجهة صعود ما يسمى قومية اللقاح، حيث تستخدم الدول قوتها الجيوسياسية والاقتصادية لتأمين الوصول التفضيلي إلى اللقاح. بدأ الاتحاد الأوروبي التفاوض نيابة عن دوله الأعضاء البالغ عددها 27 دولة. حتى المملكة المتحدة، التي أصبحت الآن دولة ناشزة جيوسياسيا، قدمت الأموال إلى كوفاكس وزادت التمويل لمنظمة الصحة العالمية.
لكن الاختلاف بين عالم ما قبل فيروس كورونا وما بعده، كما تقول الدكتورة سيماو، هو أن قوة الشراء تكمن الآن في الدول التي يمكنها صنع اللقاحات والأدوية، وليس فقط تلك التي تستطيع تحمل تكاليفها. ومن بين وسطاء القوة الجدد هؤلاء الهند، التي من خلال مركزها التصنيعي القوي في معهد سيروم، تتمتع بوضع مثالي للمساعدة على الوصول إلى هدف كوفاكس المتمثل في ملياري جرعة لقاح ميسورة التكلفة العام المقبل.
تشير الدكتورة سيماو إلى أن توازن القوى السابق كان يفضل قدرة الدول على الحصول على أدوية باهظة الثمن، تاركا الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض تتدافع للوصول إليها. في الفترة من تموز (يوليو) حتى نهاية أيلول (سبتمبر)، مثلا، قامت الولايات المتحدة بتخزين جميع جرعات شركة جيلياد من عقار ريمديسفير، الذي أظهر بعض التأثير في تقصير فترات الإقامة في المستشفى للمرضى المصابين بأمراض خطيرة. قال نقاد إن هذا ترك الدول الأفقر خارج المعادلة، على الرغم من أن شركة الأدوية ـ مقرها كاليفورنيا ـ أبرمت صفقات مع شركات تعمل في تصنيع الأدوية البديلة، مثل الشركات الهندية، لتوسيع نطاق الوصول.
وتظهر الحالات المحدودة الناجحة لعمليات الشراء المجمعة أنها يمكن أن تنجح بالفعل.
في الشهر الماضي، كشفت منظمة الصحة العالمية عن خطط لتوزيع مجموعات فحص فيروس كورونا السريع على العالم النامي بتكلفة حدها الأقصى خمسة دولارات للقطعة الواحدة. تمتد الصفقة، التي تتضمن فحص شركة أبوت العملاقة و"إس دي بايوسينسر" الكورية الجنوبية، لستة أشهر على الأقل وتنص على 120 مليون فحص. سيقدم الصندوق العالمي، وهو منظمة تمويل، منحة أولية قدرها 50 مليون دولار. خمس مجموعات من الفحوص الأخرى قيد المراجعة.
تظل معدلات الفحص شديدة التباين بين الدول. إذا فحص العالم النامي الحالات المشتبه فيها بالمعدلات التي شوهدت في الدول الأكثر ثراء، فإن فحوص 120 مليونا ستستمر لمدة أسبوعين فقط.
الصفقة جزء من جهود منظمة الصحة العالمية لتسريع "الوصول إلى أدوات كوفيد - 19" Access to Covid-19 Tools، التي تأمل المظمة إلى توسيع نطاق الوصول إلى التدخلات الفعالة المتعلقة بفيروس كورونا. ويهدف جزء التشخيص من تلك المبادرة إلى تزويد الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض بـ500 مليون فحص في الـ12 شهرا المقبلة.
وهناك مبادرة أخرى من هذا النوع، تسمى "سي تاب" C-Tap، نظمتها أيضا منظمة الصحة العالمية، وهي تدفع باتجاه مشاركة براءات الاختراع، على الرغم من أنها حصلت حتى الآن على دعم حكومي محدود ولم تحصل على دعم من الصناعة. ألبرت بورلا، الرئيس التنفيذي لشركة فايزر، وصف فكرة الشراء المجمع بأنها "هراء".
"مجمع براءات اختراع الأدوية" Medicines Patent Pool، وهو أداة لتسهيل الوصول إلى الأدوية، وسع نطاق اختصاصه إلى أبعد من السل والملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية، ليشمل كوفيد - 19. ويغطي "تعهد أوبن كوفيد" Open Covid Pledge الذي يهدف إلى فتح الملكية الفكرية، أدوات التشخيص وتصميمات أقنعة الوجه.
ولا يزال بعضهم يقول إنه لا يتم القيام بما يكفي. يقول جيمي لوف، رئيس مجموعة المعرفة البيئية الدولية للدفاع عن براءات الاختراع: "لم يعط الحديث عن التضامن بعد إجراءات ملموسة فيما يتعلق بالمعرفة وحقوق الملكية الفكرية".
ويرى أن الفشل في مشاركة براءات الاختراع على نطاق أوسع "يعزز النقص وارتفاع الأسعار، ويعمل ضد بناء مزيد من القدرة الموزعة للتصنيع، ليس في الوقت الحالي فحسب، (بل) لأعوام مقبلة وللأوبئة المستقبلية". يضيف: "يجب على كل ممول للبحث والتطوير أو مشتر للمنتجات أن يستخدم نفوذه المالي للتأكد من أن المعرفة وحقوق الملكية الفكرية مفتوحة".
ولم يتضح بعد أن كنا سنرى ما إن كانت الأساليب الأكثر تعاونا التي ظهرت أخيرا ستترسخ بشكل دائم في النظام البيئي للمستحضرات الصيدلانية.
"من الصعب التكهن الآن. هذه فرصة للقيام بالأشياء بشكل مختلف للتأكد من أن لديك القدرات في دول مختلفة"، كما تقول الدكتورة سيماو من منظمة الصحة العالمية، مشيرة إلى مبادرة سيتاب باعتبارها شيئا يمكن أن يكون مفيدا على المدى المتوسط إلى الطويل.
تقول: "يعتمد الأمر على ما يمكننا القيام به، حول إرساء الأساس لما يمكن أن يحدث فرقا ويزيد الوصول إلى المنتجات الصحية".
"ربما أنا شخص شاعري، لكني ما زلت متفائلة".


