الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قبل بضعة أعوام، أخبرتني امرأة سرا، العمل جعلها تشعر بالوحدة. بصفتها العضو اللندني الوحيد في مجموعة خدمات مالية مقرها نيويورك، شعرت في البداية بسعادة غامرة بسبب حرية العمل من المنزل: التحرك في المنزل بسراويل رياضية، والمشي في وقت الغداء. لكن الحرية تحولت إلى عذاب. شوهت الوحدة تفكيرها وقضمت من تقديرها لذاتها. كلما اتصل بها أحد الزملاء، كل الأفكار التي كانت تدور في رأسها تندفع للخروج بسرعة. كانت تثرثر باستمرار، غير قادرة على التوقف. أصبح الأمر لا يطاق، لذلك توقفت.

لم أكن أعرف حينها أن تجربة هذه المرأة كانت لمحة عن المستقبل. مع إغلاق المكاتب في جميع أنحاء العالم بسبب الوباء عانى كثير منا، ولو بشكل عابر، من الوحدة وكانوا يتوقون إلى التواصل البشري. حتى الذين كانوا يذهبون إلى مكان العمل – من مساعدي التجزئة والعاملين الصحيين والمصنعين – تلقوا تعليمات بالبقاء على مسافة من بعضهم بعضا. الإغلاق والإجازة وفقدان الوظائف أثارت التفكير في قيمة الرفقة - ليس فقط للشركاء والأصدقاء والعائلة، لكن أيضا الزملاء. اشتكى أرباب العمل من أن عدم وجود محادثات عرضية أضر بالإبداع، واكتشف الموظفون أن "زووم" كان يتسم بقدر كبير فوق الحد من طابع التعامل الرسمي، وغير قادر على أن يحل محل الشائعات والنميمة أو اكتشاف الفروق الدقيقة.

غيرت التكنولوجيا العمل قبل فترة طويلة من كوفيد - 19 – وهو أمر تعلمه جيدا صديقتي التي تشعر بالوحدة. اليوم يرتبط الموظفون في جميع أنحاء العالم بسلاسة وتقوم الخوارزميات بفحص البيانات بسرعة أكبر بكثير مما يستطيع أي إنسان. مسيرة الآلات أثارت مخاوف بعض الناس من مستقبل بلا عمل، بينما يرى آخرون أنها عامل تحرير، وأنها تزيل كدح العمل المتكرر وتشجع الإبداع والترفيه.

أدى الوباء إلى تسريع بعض هذه الاتجاهات وجعل مستقبل العمل مصدر قلق عاجل. النقاشات الحالية حول التكنولوجيا والمكتب مقابل العمل من المنزل تركز على الإنتاجية والوظائف والاقتصاد المحلي البيني، لكنها تتحدث أيضا عن الوضع الإنساني. رغم كل المظاهر، يلبي العمل حاجة نفسية واجتماعية وكذلك مالية.

تم التأكيد على هذا في كتاب نورينا هيرتز "قرن الشعور بالوحدة" The Lonely Century. يغطي الكتاب نطاقا واسعا من جوانب الشعور بالوحدة – العلاقات والمدن والمجتمعات المحلية – ويظهر تأثيرها في الصحة والديمقراطية، حيث يربطها بالطفرة الشعبوية. أحد الموضوعات اللافتة للنظر هو الشعور بالوحدة في العمل - والذي تتناوله هيرتز صراحة في فصل عن المكتب والأتمتة، لكنه مبثوث خلال أقسام تتعلق بالسياسة واقتصاد الوحدة أيضا. كما تظهر المرأة التي اعترفت بأنها تشعر بالوحدة في العمل، في الأغلب ما يكون هذا سرا مخزيا – فمن المؤكد أن الوظائف تهدف إلى أن تكون حول المال أو المكانة أو الهدف وليس الصداقة، أليس كذلك؟

تكتب هيرتز قائلة في حين أن "فيروس كورونا تسبب في (ركود اجتماعي) من خلال تسميم التواصل وجها لوجه"، إلا أن هذا الاتجاه كان جاريا بالفعل. "في جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريبا (التي تضم معظم أوروبا، الولايات المتحدة، كندا، وأستراليا) ارتفعت بين عامي 2003 و2015 نسبة الأطفال في سن 15 عاما الذين يقولون إنهم يشعرون بالوحدة في المدرسة". تظهر الإحصائيات في أماكن مختلفة من الكتاب أن هذا يؤثر في كل فئة عمرية - وتتوقع أن تكون هذه الأرقام "أعلى بكثير" نتيجة لكوفيد - 19.

هيرتز، وهي أستاذة جامعية ومذيعة، تشتمل دراستها النقدية السابقة للعولمة والرأسمالية على كتاب "الاستحواذ الصامت" The Silent Takeover (2001) وكتاب "وصل الأمانة: تهديد الديون" IOU: The Debt Threat (2004) تتخذ نظرة سلبية للمكاتب المفتوحة. فبدلا من توثيق الروابط بين الناس، فإنها تتسبب في التباعد بينهم، ذلك أن العاملين غير القادرين على التعامل مع الضوضاء والأمور التي تقاطعهم أثناء العمل، ينغلقون على أنفسهم بسماعات الرأس. والأسوأ من ذلك هو المكاتب المؤقتة (الجميع يكرهون ذلك). كتبت مستشهدة بمثال كارلا التي استغرق زملاؤها أسابيع ليكتشفوا أنها كانت غائبة بسبب غير متوقع: "شاغلو المكاتب المؤقتة، الذين هم أقرب إلى كونهم مشردين وليس من البدو الرحل، يشعرون حتما بأنه يمكن بشكل متزايد الاستغناء عنهم وتجاهلهم، وبأنهم لا ينتبه الناس لوجودهم أكثر فأكثر".

تقول هيرتز إن هذا يأتي بنتائج عكسية. أثبتت القوى العاملة الاجتماعية أنها أكثر إنتاجية. في أحد الأمثلة الذي تستشهد به المؤلفة في الكتاب، كان أداء رجال الإطفاء الأمريكيين الذين يطبخون ويأكلون معا أفضل من الذين لم يفعلوا ذلك، ما يشير إلى أن الغداء يمكن أن يكون مسألة حياة أو موت. "إذا أردنا أن نشعر بقدر أقل من الوحدة في مكان العمل، فإن جزءا من التحدي يكمن في التقدير الصريح لصفات مثل اللطف والتعاون والمشاركة، والعثور على طرق لمكافأة وتحفيز مثل هذا السلوك".

الوظيفة الاجتماعية للعمل هي موضوع يتناوله أيضا جيمس سوزمان في كتابه المعنون "العمل: تاريخ كيف نقضي وقتنا" Work: A History of How We Spend Our Time، على الرغم من أنه يدرس الظاهرة عبر نطاق زمني أطول بكثير – 300 ألف عام. على مدى نحو ثلاثة عقود كان سوزمان، أستاذ علم الأنثروبولوجيا، منكبا على دراسة "البوشمن" Bushmen من كالاهاري في جنوب إفريقيا، الذين عاشوا إلى حد كبير كما فعل أسلافهم منذ آلاف السنين إلى أن تم تجريدهم من أراضيهم في النصف الثاني من القرن العشرين. كانوا موضوع كتابه الأخير (2017)، وهم نقطة البداية لكتابه الجديد.

يوضح سوزمان أنه بدلا من الكفاح من أجل الموارد الشحيحة، كان البوشمن مرتاحين ومتفائلين بشأن إمداداتهم الغذائية. لم يراكموا احتياطيات، لكنهم كانوا يعملون لفترات قصيرة للعثور على طعامهم وإعداده، ما يترك لهم الحرية لتخصيص معظم وقتهم للترويح عن أنفسهم. يقول سوزمان إن هذا يبرهن على أنه لا يوجد شيء حتمي بشأن الطريقة التي ننظم بها العمل اليوم، ولا الوزن الذي نضعه عليه. "بالنسبة لمعظم تاريخ البشرية، لم يكن أسلافنا منشغلين بالندرة كما نحن الآن، الأمر الذي يذكرنا بأن العمل ينطوي على أمور أكثر بكثير من جهودنا لحل المشكلة الاقتصادية".

يستكشف سوزمان مجالات واسعة: النمل الأبيض يوجد "مجتمعات اجتماعية بين الأجيال"، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، ووصول الزراعة (حيث كان الازدهار "عابرا"، وتطورت الندرة من حالة مزعجة عرضية تحملها الباحثون عن الطعام بجلد كبير، إلى مشكلة شبه دائمة")، والثورة الصناعية، وصعود وزوال الرجل الذي يركز كثيرا على عمله في الشركة. أعترف بأنني وجدت التحول إلى المدن – جزء صغير من الكتاب – أكثر إثارة من التاريخ السابق.

يعتمد كل من هيرتز وسوزمان على أعمال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم. كتب سوزمان يقول إن دوركهايم يعتقد أن "المجتمعات الحضرية الحديثة، حيث يؤدي الناس أدوارا كثيرة، في الأغلب ما تكون مختلفة جدا، وبالتالي اكتسبوا وجهات نظر مختلفة جدا عن العالم، على نحو يجعل من الصعب ربط الناس بعضهم ببعض"، تسببت في حدوث التفكك المجتمعي. هذا التفكك كان مدفوعا ليس فقط بالتصنيع وإنما بسبب "مرض التطلع غير المتناهي". يكتب سوزمان أن دوركهايم، على عكس الاقتصاديين، عد عبء الرغبات المذكور رد فعل للتغيير وليس حالة دائمة، وكان متفائلا بأنه سيستقر. يكتب سوزمان أنه على العكس من ذلك "أصبح التغيير المستمر وغير المتوقع هو الوضع الطبيعي الجديد".

دوركهايم هو تذكرة مفيدة بالتشنجات الماضية. على الرغم من ادعاءات هيرتز بأن هذا هو القرن الأكثر وحدة، التي تلقي باللوم فيها على الرأسمالية "النيوليبرالية" التي تركز على المنافسة والاعتماد على الذات، فإنها تعترف بأن "عامل المصنع الذي يشعر بأنه مستبعد والذي يتحدث عنه كارل ماركس" كان أيضا وحيدا إلى حد كبير. أود أن أراهن على أن العزلة ابتليت بها عصور ما قبل العصر الصناعي أيضا - بالتأكيد أقدم مهنة كانت تتاجر في العلاقة الحميمة.

يعتمد تعريف هيرتز للوحدة على مقياس الوحدة من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، الذي وضع في عام 1978، والذي يهدف إلى تقييم الشعور الذاتي من خلال السؤال عن عدد المرات التي يشعر فيها الشخص بالإهمال أو عدم قربه من أي شخص آخر. لهذا هي تضيف تفسيرا فضفاضا نوعا ما. الوحدة من وجهة نظرها لا تعني فقط "شعور الشخص بأنه يتعرض للتجاهل أو أنه لا يرى أو لا يهتم به الأشخاص الذين يتفاعل معهم على أساس منتظم. يتعلق الأمر أيضا بالشعور بعدم الدعم وعدم الاهتمام من قبل إخواننا المواطنين وأصحاب العمل ومجتمعنا وحكومتنا". تكمن مشكلة مثل هذا التعريف في أنه ضخم وذاتي بالضرورة - لا يوجد مقياس كامل للوحدة يمكن من خلاله مقارنة المشاعر اليوم بتلك التي تمت تجربتها في الماضي.

تقليص الطابع الإنساني للعمل والحاجة إلى وظائف تلبي إحساس الشخص بالرضا هي موضوعات تناولها كلا المؤلفين. يعتمد سوزمان على كتاب لديفيد جريبر صدر عام 2018، حيث كتب يقول إن "الصعود المتواصل لقطاع الخدمات ربما يكون شهادة على إبداعنا الجماعي، لكن من الواضح أننا لسنا بهذا الذكاء عندما يتعلق الأمر بإيجاد (أو مكافأة) وظائف من المرجح أن يجدها الناس مفيدة أو مرضية".

في الوقت نفسه، تنظر هيرتز إلى زحف التكنولوجيا في مكان العمل الحديث، مثل المراقبة الإلكترونية ومراقبة إنتاجية العاملين وحضورهم إلى الدوام. وهي تجرب إجراء مقابلة عمل محوسبة، وخلال الإجابة على أسئلة مسجلة مسبقا أمام الكاميرا على جهاز الكمبيوتر المحمول لديها، تشعر بأن هناك انقطاعا في التواصل. في وقت لاحق، تم تحليل أداء هيرتز من خلال خوارزمية تركز على ذكائها العاطفي ونبرة الصوت والكلمات الطنانة. هذا الأسلوب الذي تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات لفحص عدد كبير من طلبات التوظيف، هو إجراء يجعلها تشعر "أنها غير مرئية بشكل مدهش" على الرغم من أن كل إيماءة وتعبير يتم اعتباره نقطة بيانات. لا شك أن كوفيد - 19 سيسرع هذا الاتجاه.

إدارة العاملين في الخدمات المؤقتة والمرنة من خلال التطبيق هي تطور إشكالي آخر. كتبت هيرتز، "يتم التنازل عن السلطة بشكل متزايد للتكنولوجيا – ليس فقط لخوارزميات التوظيف، لكن أيضا لآليات تقييم السمعة، والروبوتات، وأدوات المراقبة، وأجهزة التتبع، وبالتالي للذين يتحكمون في هذه الرافعات. كل هذا يسبب الإحساس بالقطيعة في الأساس".

لكن في بعض الأحيان تكون التكنولوجيا مجرد أداة. تستشهد هيرتز بمثال الكاتبة جوديث شوليفيتز التي اعترفت بإخبارها برنامج مساعد جوجل الموجود لديها عن إحساسها بفراغ لا يمكنها أن تعترف به لزوجها أو الطبيب النفسي الذي يعالجها. لكن هل هذا مختلف تماما عن كتابة الخواطر في اليوميات؟ علمنا الوباء قيمة المجتمعات والروابط – خاصة عندما يكون البديل هو العزلة التامة. أخبرني أحد الرجال أن قول وداعا لوالده عبر الفيديو قبل وفاته في المستشفى بسبب كوفيد - 19 كان حميميا بشكل مدهش.

يقدم كلا المؤلفين نداء حماسيا لإعادة التفكير في ممارسات العمل لدينا. تدعو هيرتز إلى حماية أفضل للعاملين غير الآمنين ومسؤولية أكبر من أصحاب العمل. سوزمان يطرح فكرة الدخل الأساسي "توزيع الأموال المجانية على الجميع سواء كانوا يعملون أم لا"، و"تلطيف تطلعاتنا المادية الشخصية من خلال معالجة عدم المساواة" وتحدي الانشغال بالنمو الاقتصادي. رغم كل المظاهر، يمكن أن يكون العمل وسيلة "لتسخير طاقتنا المضطربة وعزمنا وإبداعنا".

مهما كانت مزايا مثل هذه الأفكار، فإن النظرة الطويلة للعمل هي تذكرة، كما كتب سوزمان، أنه بينما نقاوم التغيير، فإننا في النهاية نتكيف. إذا كان هذا يبدو شاعريا في الوقت الذي يفقد فيه الناس وظائفهم، فربما يوفر أيضا الأمل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية