هل نبرز النماذج الناجحة للأجيال؟

|
في سلسلة تغريدات لرجل الأعمال جمال عبدالرحمن الزامل عرض فيها نموذجا من نماذج النجاح في المجال التجاري، وهما الثنائي الجفالي، والهطلاني، حيث كان الجفالي وكيلا لسيارات الناقلات الألمانية مرسيدس، والهطلاني وكيلا لسيارات دايهاتسو، وكانت شركة أرامكو في حاجة إلى متعهد، وعقد طويل يتم بموجبه نقل المشتقات النفطية من بنزين، وديزل، وكيروسين لمناطق المملكة المختلفة، مع الأخذ في الحسبان ظروف نشأة المملكة المتواضعة، حيث لا طرق معبدة، ولا ممهدة، وطول المسافات، إضافة إلى حالة شظف العيش، والفقر التي يعانيها الناس، إذ كانت الحالة التنموية قريبة من الصفر.
فكرة الجفالي كانت قائمة على بيع الناقلات لمن يرغب من السائقين ليقوموا بنقل المشتقات من المنطقة الشرقية إلى مناطق المملكة، إلا أن تنفيذ المشروع بهذه الطريقة معرض للفشل الذريع نظرا لعدم قدرة الناس على شراء السيارات، كيف لا وهم لا يستطيعون تحصيل قوت يومهم، لكن الحل جاء من صديقه الهطلاني، حيث اقترح عليه بيع السيارات على الراغبين، ليس بالمال، ولكن بالجهد، أي إن السائق يقوم بنقل 200 شحنة مشتقات نفطية لتنتهي السيارة إلى ملكيته، وحسب سلسلة التغريدات فإن هذه الفكرة الخلاقة واجهها بعض الصعوبات، إذ كيف يعيش السائقون طوال فترة العمل دون دخل؟، فكان الحل بصرف مساعدات مالية من الأرباح التي يحققها الجفالي من العقد مع "أرامكو".
نص العقد مع السائقين على أنه بعد انتقال ملكية السيارة للسائق الخيار بين الاستمرار في نقل المشتقات وفق عقد جديد يحدد المقابل المالي لكل شحنة مشتقات، أو اختيار النشاط الذي يرغب فيه في أي من مناطق المملكة، حسب ما يتوافر له. هذه الفكرة الخلاقة فتحت باب رزق لكثير من الناس في فترة تشح فيها النشاطات، وتندر فرص العمل، ويخيم الجهل، وتسود البطالة في سائر المناطق، عدا النشاط الزراعي، أو الرعي، وربما النشاطات التجارية المحدودة لقلة من الناس.
أنا وغيري نسمع عن نماذج نجاح مماثلة في نشاطات، ومجالات اقتصادية، وتنموية أخرى أحدثت تغيرا، واضحا، ليس عند أصحاب هذه النشاطات، بل في محيط المنطقة التي وجد فيها النشاط، وخارجه ليصبح أصحابها من الرموز اللامعة التي أسهمت في إحداث نقلة نوعية تضاف إلى جهود التنمية التي شهدتها، ولا تزال تشهدها المملكة في المجالات كافة، ولو قدر وبحثنا عن سير من عملوا سائقين في هذا المشروع لوجدنا بعضهم قد تحول إلى رجل أعمال، ومشروع تنموي في مجال من المجالات.
أخذا في الحسبان الظروف الثقافية، والتعليمية المحدودة، إن لم تكن المعدومة تبرز هذه الفكرة النموذجية، فهذا يدل على ذكاء فطري حلل الظروف الاجتماعية، والمعيشية للناس ليجعل منها عاملا إيجابيا يسهم في إنجاح مشروع توزيع المشتقات النفطية لكل مكان في بلادنا مترامية الأطراف، ليحدث التغيير، ليس في منطقة النفط، لكن في الأطراف لتلتقي الجهود، وتحدث التنمية في مجالاتها التعليمية كافة، والثقافية، والتجارية، والزراعية، والصناعية، ويبرز اسم المملكة في المحافل الدولية، وفي الأسواق منتجة لكثير من السلع.
منذ فترة قصيرة بدأنا نسمع عن تأجير السيارات المنتهي بالتملك، وكذا إيجار البيوت المنتهي بالتملك، ما سهل على كثيرين من محدودي الدخل الذين لا يملكون القيمة كاملة امتلاك سياراتهم، أو بيوتهم، وما من شك أن جودة الفكرة لا تغني عن ضرورة جودة التنفيذ، حتى لا يصاب المشروع بالخسارة، ولا يشعر أحد الطرفين بالغبن فيما لو كان العقد جائرا.
هذه القصة لهذا الثنائي، وغيرها من القصص المماثلة تمثل أسلوبا جميلا يروى للناشئة ليتحقق تعلم النشء القيم الجميلة، ومتطلبات النجاح في الحياة، وهذا ما يسمى في علم النفس التعلم الاجتماعي من خلال النماذج، والقدوات الصالحة الحريصة على مصلحة الوطن، وأجياله، وثرواته، وثقافته وقيمته. السؤال الذي يفرض نفسه هل المحتوى الذي تتلقاه الأجيال في المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام، والمنزل، ومن خلال وسائط التأثير كافة، كالسينما، ووسائل التواصل الاجتماعي تعرض النماذج الوطنية الناجحة، أم أننا نتركهم لقدوات الرياضة العالمية والممثلين، والفنانين؟.
إنشرها