ثقافة وفنون

سجال فرنسي - فرنسي حول «الإسلام التنويري»

محاربة التطرف ينبغي أن تبقى حاضرة وبقوة.

تعرض ماكرون للكثير من النقد والاستهجان على المستوين الرسمي والشعبي.


عاد موضوع الإسلام ليملأ الدنيا ويشغل الناس في بلاد الأنوار، بعد التصريح المثير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أسبوع، أعلن فيه أن "الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم، ونحن لا نرى ذلك في بلادنا فقط. إنها أزمة عميقة مرتبطة بالتوترات بين الأصولية، وعلى وجه التحديد المشاريع الدينية والسياسية، نراها في كل العالم، وتؤدي إلى التشدد حتى في الدول التي يعد الإسلام فيها دين الأغلبية".
ذكر الرئيس في هذا الخطاب الإسلام أكثر من 40 مرة، بعدما اختار التموقع في موضع السياسي الإصلاحي للحالة الإسلامية، ليس فقط داخل فرنسا، إنما في عموم أوروبا والعالم، محتكرا لنفسه الوصف والتشخيص حتى اقتراح الحلول. فأعلن عزم فرنسا محاربة ما سماه "الانفصالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام مواز، وإنكار الجمهورية الفرنسية"، وهي وفق تحديد ماكرون "أيديولوجيا تدعي أن قوانينها يجب أن تعلو على قوانين الجمهورية".
تعرض ماكرون لكثير من النقد والاستهجان، على المستويين الرسمي والشعبي في العالمين العربي والإسلامي، لكن المجهول لدى الأغلبية التي دخلت على خط السجال بشأن الإسلام، هو أن ما يروج له هذا الشاب - حديث العهد بالسياسة - قطعا ليس من بنات أفكاره، إنما محاولة لتنزيل أطروحة من بين أطاريح أخرى، منتشرة في الداخل الفرنسي عن الإسلام وحوله.
يمارس ماكرون، في كل أحاديثه عن الإسلام أسلوب التقية، فهو لا يبدي كل ما قد يكشفه الطرح الذي يدافع عنه في التعامل مع الديانة الإسلامية. لكن معرفة أن حكيم القروي الأكاديمي التونسي والباحث في معهد مونتاني، هو من يشغل منصب مستشار الرئيس في قضايا المسلمين كفيلة بالتأكد من أن حكومة الرئيس الفرنسي تتبنى أطروحة جيل كيبل المستعرب الفرنسي.
تعود بدايات بحث الرجل في موضوع الإسلام إلى ثلاثة عقود ونصف، تحديدا عام 1984 تاريخ أول كتبه "النبي"، تلاه كتاب "الخروج من الفوضى" الذي يعد في نظر كثير من الباحثين بمنزلة الكتاب التأسيسي لأطروحته. فالتطرف من منظور كيبل نتاج مشكلة فكرية وثقافية، لها جذورها الدينية والاجتماعية والتاريخية، كما أن للسياسة والاقتصاد نصيبا مهما في تحفيز وتفجير الفكر المتطرف، ويذهب إلى أن الحلول اللازمة لمعالجة هذا الوضع، ينبغي أن تأخذ كل ذلك في الحسبان، في ظل المتغيرات على الساحة الدولية.
تدعو أطروحة كيبل إلى فصل المسلمين، ونزعهم عن باقي فئات المجتمعات الأوروبية، مع إحكام القبضة الأمنية عليهم، فهم الخطر الأكبر على المجتمع والقيم الأوروبية. جاء ذلك، بشكل صريح ومباشر، في كتاب "ضواحي الإسلام"، حيث قدم الباحث معالم مشروعه حول "إسلام فرنسي جديد" تؤطر فيه القيم الدينية للمسلمين بقيم الجمهورية الفرنسية.
يدافع الرئيس ماكرون في جل خطاباته حول الإسلام عن هذا المشروع، ويسعى نحو تنفيذه عمليا، بشكل تدريجي، منذ دخوله قصر الإليزيه، من خلال قيادة مشروع "هيكلة الإسلام" داخل فرنسا، التي تضم أكبر جالية للمسلمين في أوروبا، برقم يصل إلى ستة ملايين مسلم، على أن يتم تسويقه مستقبلا في بقية الدول التي يعاني فيها الإسلام "أزمة".
شجعت نتائج استطلاع رأي أسبوعية "جريدة الأحد"؛ بتاريخ 24 /25 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، حول الإسلام في فرنسا، التي أظهرت أن ثمانية من كل عشرة فرنسيين يعدون العلمانية مهددة في فرنسا، ويظهرون قلقا مشتركا تجاهها، بغض النظر عن الانتماء السياسي. أكثر من ذلك، يعتقد 80 في المائة من المستجوبين أن مسألة العلمانية تطرح بشكل مختلف في فرنسا عندما يتعلق الأمر بالدين الإسلامي، ماكرون على المضي قدما في مشروع "إسلام تنويري" يتناغم مع قيم ومبادئ ومؤسسات الجمهورية.
لكن مساعي صناعة "إسلام مستنير" لماكرون سرعان ما تصطدم بالقيم ذاتها، تحديدا مقتضيات قوانين عام 1905 حول العلمانية، التي لا تسمح بعزل أتباع دين ولا التعرض لحرياتهم الدينية. فهذا النص الذي عمل به لأزيد من قرن، 115 عاما، يحدد أطر ممارسة العبادة لعموم الفرنسيين دون أي تمييز.
لم يتأخر المفكر الفرنسي أوليفيه روا، صاحب الأطروحة المضادة لجيل كيبل في موضوع الإسلام في فرنسا، في الرد على الرئيس بمقال مطول، حاصر فيه الرئيس بسؤال "هل يريد الرئيس ماكرون إلغاء قانون عام 1905، يمثل عماد العلمانية في فرنسا، عبر هجومه هذا ضد "الانفصالية"؟ مذكرا بأن هذا القانون يعترف بوجود فضاء ديني منفصل عن الدولة. يكشف هذا، بشكل ضمني، المغزى وراء مشروع "الإسلام الفرنسي"، ويحذر من مخاطر تطبيقه في فرنسا، ومآلات مسلمي فرنسا ما بعد التنفيذ.
يذهب صاحب مؤلف "الجهاد والموت" إلى أن طرد ما هو ديني من المجال العام، لا يؤثر في المتطرفين الذين يعيشون ويجندون على هامش الفضاء العام أصلا. لكن يمنحهم في المقابل فرصة يبدون فيها كما لو كانوا المدافعين الوحيدين عن إسلام مغبون مظلوم ومضطهد. في حين أن الاستراتيجية الجيدة هي على العكس من "إشباع" الحقل الديني بحيث يسقط زعم الإسلامويات "العنيفة والإخوانية" في تمثيل الإسلام.
لا مراء في أن محاربة التطرف ينبغي أن تبقى حاضرة وبقوة، في الغرب كما الشرق، خطابا وممارسة، لكن وضع الإسلام كديانة في كفة واحدة، بإنزاله منزلة الأصوليات العنيفة والحركية، لا يستقيم ورسالة الإسلام أولا، ومساعي عديد من الدول الإسلامية في محاربة التطرف ثانيا، وممارسات ملايين من المسلمين في الدول الغربية ثالثا. هنا نعود إلى سؤال أوليفييه روا عن الإسلام، وهل المطلوب معرفته أم ضبطه؟ لا ضبط من دون معرفة وفهم، وإذا حصلا يصبح الضبط من النوافل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون