الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تبدأ كريستالينا جورجيفا في الغناء، باللغة البلغارية، هناك على الطاولة - بهدوء، ولكن بحزم، بالطريقة التي قد تغني بها لطفل في آخر تهويدة لها في المساء. وهي أغنية كتبتها عندما كانت مراهقة في أواخر الستينيات، في قرية أجدادها في الجبال في الحقبة الشيوعية في بلغاريا، عندما نفد محتوى الأرفف في المكتبة المحلية وبدأت في قراءة الفلسفة. أنهت مقطعا مزدوجا، ثم تترجم:

ولكن ما قيمة كانط وسبينوزا

إذا كتب شخص آخر التنبؤات من أجلي؟

الترجمة نفسها موزونة. تنظر إلي وهي تشدد على المقطع الأول من كل تفعيلة. وتقول إن الأغنية، بدعوتها المرحة من أجل تقرير المصير، كانت "سياسية تقريبا". تضيف "بالطبع، كنت أغنيها وأعود إلى المنزل وأقول، ’يا إلهي ماذا فعلت؟‘".

في اليوم الذي نتناول فيه الغداء، تحتفل جورجيفا (67 عاما) بالذكرى السنوية الأولى لتوليها منصب المدير الإداري لصندوق النقد الدولي. المنصب نفسه يأتي مع مسؤولية هائلة: إنقاذ العالم في حال كانت هناك أزمة مالية. لكن المنصب له سلطة رسمية قليلة جدا. لا يستطيع صندوق النقد الدولي تقديم كثير من القروض دون موافقة أقوى أعضائه. لذا فإن من يدير الصندوق له الحق فقط في إقناع رؤساء الجمهورية ورؤساء الوزراء بالتصرف. وظيفة جورجيفا هي سياسية بشكل مثالي ومثير للجنون.

وهي الآن مهمة بشكل خاص. في الأسبوع المقبل، سيقوم صندوق النقد الدولي بتحديث توقعاته للنمو العالمي. عندما فعل ذلك آخر مرة، في حزيران (يونيو)، توقع الاقتصاديون في الصندوق حدوث انخفاض بنسبة 8 في المائة في 2020 في العالم المتقدم، و3 في المائة في الاقتصادات الناشئة، في إشارة إلى "فترات الركود العميق المتزامن". وقال الصندوق الأسبوع الماضي إن التوقعات "أقل خطورة مما كان متوقعا"، لكنه حذر أيضا من أن الركود العالمي إذا تحول إلى أزمة مالية عالمية، فقد تسوء الأمور.

في عامها الأول تواجه جورجيفا منذ فترة أكثر نسخة مروعة من التحدي الأساسي الذي يمكن أن يواجهه أي رئيس لصندوق النقد الدولي: كيف تقنع الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة؟ وإذا كان بإمكانك فعل ذلك، فكيف يمكنك إرفاق الشروط الصحيحة للتأكد من أن المساعدة تحقق أغراضها؟ وإذا كان بإمكانك فعل ذلك، فكيف يمكنك التأكد من ثقة الدول الفقيرة بأن المساعدة التي يقدمها صندوق النقد الدولي صادقة، بينما تسببت في الماضي في مزيد من الدمار؟ سيكون عليها أن تفعل كل هذا بقوة غير رسمية، كشخص من النوع الذي يكتب لك أغنية.

في المدرسة الثانوية، كانت تسلي زملاءها في الفصل من خلال تأليف أعمال للثورة المضادة عندما كان عليهم التدرب ببنادق غير صالحة في الصيف. غنت لي أغنيتها عن سبينوزا لتوضيح نقطة. عندما كانت طفلة ثم أستاذة جامعية شابة في صوفيا، كانت تتمتع بقوة أكبر مما كانت تعتقد في ذلك الوقت. تقول: "الأشخاص مثلي كانوا مفيدين للغاية. أوجدنا الانطباع بأن هناك حرية أكبر مما كانت لدينا بالفعل".

دعتني إلى مطعم في صيدلية قديمة مخبأة في الحرم الجامعي الحضري لجامعة جورج واشنطن، على مسافة قصيرة من مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن.

الآن حيث لم يعد البشر يلمسون بعضهم بعضا، هناك عدد كبير للغاية من الطرق لقول مرحبا. في الفناء الخلفي لمطعم تونيك Tonic، أختار ملامسة الكوع للكوع. وتقول إنها تفضل وضع اليد على القلب أو ضغط راحتي اليدين معا على غرار اليوجا. نحاول الطرق الثلاث، ثم نجلس متقابلين على طرفي طاولتين تم دمجهما معا. يفصل بيننا ترتيب من شراب الاسكواش وزهرة الشمس. ونتفق على دفعه جانبا.

دون النظر إلى القائمة، تسأل النادل عن حساء اليوم. تقول: "أود أن أقول لك إنني لا أهتم كثيرا بوجبات الغداء. عادة، غدائي المفضل هو الحساء". لديها تاريخ انخفاض ضغط الدم، وتفضل أداء عملها بأقل قدر ممكن من الطعام في معدتها. تشرح قائلة: "حين تأكل، يتركز دمك في معالجة الطعام، ولا يتبقى ما يكفي لدماغك".

كانت عائلة والدة جورجيفا تمتلك أرضا وفندقا أممهما الشيوعيون البلغاريون. يمكن لعائلة والدها أن تقول إن لها نسبا من قبل وصول الأتراك. هذا يعني أنها جاءت من فئتين مشبوهتين من الناس. لم ينضم والداها إلى الحزب. عندما كانت طفلة، من أجل حمايتها، تعمد أهلها ألا يقولوا لها شيئا عن أجدادها.

في العشرينات من عمرها، عندما كانت جورجيفا أستاذة مساعدة في جامعة صوفيا للاقتصاد الوطني والعالمي، ساعدت على استقبال وفد من اليابان. تقول: "لم ير أي منا أي شخص من اليابان من قبل، لذلك، بالطبع، أكرمنا اليابانيين بكل ما في وسعنا" – العشاء والنبيذ. "ثملوا قليلا، وقال أحدهم في نهاية العشاء، ’أنت محظوظة لأنك لا تعلمين كم أنت فقيرة‘".

تقول جورجيفا إن هذه كانت هي المرة الأولى التي تفكر فيها في كونها فقيرة، وقررت أن مشكلة بلغاريا في السبعينيات، تحت حكم الرجل الشيوعي القوي تودور جيفكوف، لم تكن الندرة. كانت المشكلة هي انخفاض الإنتاجية – لم يكن لدى الناس الحرية ليصبحوا جيدين في وظائفهم. تقول: "كنا نعيش في بيئة لا توجد فيها منافسة، لذلك لا يمكنك حقا الحصول على الأفضل والأكثر ذكاء، ربما باستثناء الرياضة. وكان هذا في الواقع أكبر قيودنا، وليس الأشياء المادية".

تضيف: "بالطبع، اقتصاد الندرة مشكلة. وهذا ليس حتى بسبب القيود المفروضة على ما تستهلكه. ولكن لأنه نتيجة قيود تتعلق بكيفية استخدام مواردك الإنتاجية". تقدم عائلتها كمثال. بعد تنحي جيفكوف في 1989، بعد 35 عاما في السلطة، تخلفت التنمية في بلغاريا عن دول أوروبا الشرقية الأخرى، وعانت البلاد نوبة تضخم مفرط في 1996-1997.

تقول: "اختفت مدخرات أمي. تحويشة العمر: اختفت في غضون يومين، واضطررت إلى الانتظار في الطوابير، تقريبا من أجل البقاء. كنت أستيقظ في الرابعة صباحا لأصطف في طابور لشراء الحليب لابنتي. فإن لم أستيقظ في الساعة الرابعة، ستجوع".

كان النادل يحوم. طلبت جورجيفا حساء الخضار لذلك اليوم. تقول: "وبعد ذلك، بالطبع، سأتناول قطع البطاطس".

قطع البطاطس هي عنصر أساسي في وجبات الغداء المدرسية الأمريكية: قطع صغيرة من البطاطس محشوة في كتلة بحجم فلينة. وهي مملحة ومقلية لتصبح باللون الذهبي، والجميع يحبها. أبدأ بطلب قطع البطاطس لنفسي، ثم أضيف ما كانت خطتي لتناول طعام الغداء: سلطة منزلية بتعفف لا مكان الآن.

تقليديا، خاصة داخل صندوق النقد الدولي، يجادل الاقتصاديون لمصلحة قليل من التقشف - قرار واع لخفض العجز. تقول الحجة إنه في البداية تتكيف الأجور والأسعار إلى الأدنى. وبعد ذلك، ومن دون مزيد من أزمات الديون التي تلوح في الأفق، سيكون لدى المواطنين والمستثمرين ثقة أكبر بتلك الدولة ويراهنون على شراء الأشياء ودفع المال مقابل المزيد من المباني والآلات لجعل الاقتصاد منتجا مرة أخرى.

قلبت جورجيفا هذه الحجة على ظهرها: التعديلات التي يتعين على الناس إجراؤها خلال فترات التقشف لا تحل المشكلة. بل إنها بحد ذاتها هي المشكلة. يقدم التقشف والاستبداد تحديات مماثلة. في كلتا الحالتين، ليس الأمر أن الناس يشترون أقل. السبب هو أنه لأسباب خارجة عن سيطرتهم، لا يمكنهم أن يكونوا منتجين. وكلاهما يترك ما يسميه الاقتصاديون "الندوب"، وهو انخفاض طويل الأمد في الإنتاجية حيث يفقد الناس المهارات والصحة والأمل. من الصعب إيجاد الإنتاجية في المقام الأول. من الصعب أيضا استعادتها عندما تضيع.

بالنظر إلى الانهيار الاقتصادي الذي أعقب جائحة هذا العام، فإنها قلقة بشأن الندوب، وتعود بفكرها إلى بلغاريا في التسعينيات. كانت الصناعات في تلك الدولة تفتقر إلى الكفاءة، لكنها كانت على الأقل لا تزال من كبار أصحاب العمل. تقول: "بمجرد أن يتم القضاء عليها، فإن تأثير الندوب في المجتمعات وفي المدن بأكملها (يكون) تأثيرا مدمرا وطويل الأمد". في الاتحاد الروسي، المنطقة التي عملت فيها مديرة للبنك الدولي في منتصف العقد الأول من القرن الـ21 "لا تزال هناك مدن ومناطق ريفية لا يتم فيها علاج البطالة الهيكلية لأن الناس يصلون إلى نهاية حياتهم. يموتون".

لم يبتعد صندوق النقد الدولي فجأة عن التقشف في ظل جورجيفا. في ظل رئاسة كريستين لاجارد، المديرة الإدارية السابقة للصندوق، انتقد باحثو الصندوق الحجج الداعية إلى التقشف، موضحين كيف فشل التقشف في تحقيق النمو الذي وعد به. لكن جورجيفا، التي عاشت فترة ندرة هي نفسها، تقدم الآن بديلا. كانت الخطة القديمة لدولة في مأزق هي السماح بتعديل طبيعي ليأخذ مجراه لكي يظهر أكثر إنتاجية على الجانب الآخر. وهي تريد تخفيف آلام التحول، وتجنب الندوب التي تأتي مع الانهيار، والحفاظ على الإنتاجية واستثمار المال العام فيها حيثما أمكن ذلك.

تقول: "نحدد المواقع التي سيقع عليها التأثير. الطفرة لا تأتي من تلقاء نفسها: لا بد من التحول. وإذا قمت بذلك، فسيكون اقتصادك أفضل لأنك تستخدم رأسمالك الإنتاجي بشكل أفضل". يغلب على علماء الاقتصاد الكلي الذين درسوا في بوسطن أو شيكاغو أو فرانكفورت افتراض أن الاقتصادات تحقق الطفرة من تلقاء نفسها فقط: بمعنى أنها تتكيف. بالنسبة لجورجيفا، التكيف بحد ذاته هو كل شيء: "أعتقد فعلا أنه ليس فقط لا يوجد بديل للتجربة، وإنما لا يوجد بديل للذكاء العاطفي الذي تقوم ببنائه من خلال كونك جزءا من مجتمع محلي أو مجتمع يواجه صعوبة بالغة" إنه أنظف أدوات الجراحة. أنت بالكاد تراه يدخل.

تصل قطع البطاطس التي طلبتها، سلة كبيرة بما يكفي لأربعة طلاب جامعيين. تسأل عما إذا كانت تحصل على الحجم نفسه. يؤكد النادل أنها ستحصل. قالت: "أوه، حسنا. سنستمتع. شكرا لك". النادل يختفي. تشير إلى سلتي. وتقول: "وهكذا يختفي غدائي الخفيف".

في كانون الثاني (يناير) 2019، قدم أوليفييه بلانشار، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، حجة بسيطة تمثل تحولا مهما لكل من خبراء الاقتصاد الكلي والسياسيين. قال إن أسعار الفائدة منخفضة، لذا إذا كانت لديك خطة للإنفاق على البنية التحتية، فقد لا يكون الاقتراض خطيئة. أنا أثير هذه النقطة، وتقول جورجيفا بعد انتشار الوباء، اتصل بلانشار بها. "لقد كان قلقا من أن الصندوق قد يكون بطيئا للغاية بحيث لا يوصي بزيادة الإنفاق، وأعتقد أنه وجد أنه كان يطرق بابا مفتوحا".

تقول في الأشهر الأولى للوباء "لا أعرف عدد المرات التي كنت أذهب فيها علنا، وأقول ’أنفقوا. احتفظوا بالإيصالات. لكن أنفقوا‘". وتتابع: "نحن نعرف الآن معالم وحدود هذه الأزمة بشكل أفضل. يمكن لواضعي السياسات البدء في استهداف هذا الدعم لزيادة فعالية الإنفاق". هذه اللغة جديدة أيضا. بدأ صندوق النقد الدولي الحديث ليس فقط عن مستويات الإنفاق بشكل عام، ولكن عن "جودة الإنفاق". أسألها ما الإنفاق الجيد، فتأتي بقائمة مألوفة لأي اقتصادي تنموي: البحث والتعليم والصحة والطرق الريفية. تقول: "يجب استخدام المال لإزالة العقبات التي تعترض النمو".

كانت هذه تعد أشياء لطيفة يمكن لدولة ما تقبلها، إذا كانت لديها المساحة في ميزانيتها. الآن هي تستحق أن توجد مساحة لأجلها. أطلب من جورجيفا أن تكون واضحة تماما: هل الصندوق مستعد لتحمل أن يكون هناك عجزا في الدولة، إذا تم إنفاقه على الأشياء الصحيحة؟ أجابت "بالتأكيد. نعم. بلى".

قطع البطاطس رائعة – نقية، تثير الحنين، مثالية. تتناول جورجيفا طبقها ببطء، ولكن إذا كنت طالبا في طريقك إلى تونيك الليلة، فأنا أحثك على تناول قطع البطاطس.

صندوق النقد الدولي ليس مجرد مؤسسة فكرية. فهو يقدم المساعدة المالية، على الرغم من أن الرياضيات المحافظة والمضبوطة لديه تضمن دائما أن الدول التي من المرجح أن تكون في أمس الحاجة إلى المال هي الأقل احتمالا في الحصول عليه. في غضون أسبوع من اجتماعنا، أصدر صندوق النقد الدولي فصولا من تقريره السنوي يحث الدول الغنية على تحمل الديون من أجل الإنفاق الجيد. لكن هذا يترك سؤالا مفتوحا لبقية العالم، الدول التي لا تتمتع بالوصول نفسه إلى أسواق رأس المال مثل الولايات المتحدة أو أوروبا أو اليابان.

تقول: "يحتاج الصندوق إلى بازوكا كبيرة"، في إشارة إلى إجمالي تريليون دولار تقريبا لدى صندوق النقد الدولي في برامج الإقراض المختلفة. تقول: "هذا تريليون، وليس بضعة ملاليم. إنه تريليون".

ابتداء من العام المقبل، نحو 40 في المائة من ذلك المبلغ سيجلس في الصندوق الجديد بعنوان "الترتيبات الجديدة للإقراض" NAB، وهو برنامج تصفه بأنه "من لديهم المال يعطون من ليس لديهم المال" – أي أن الدول الغنية تقرض الدول الفقيرة. كانت أولويتها الأولى عندما وصلت إلى الصندوق هي تمديد ومضاعفة ترتيبات NAB، وهو اتفاق تم توقيعه في كانون الثاني (يناير). كانت تنبه الدول الأعضاء إلى أنها ستطلب استخدامها. "من الممكن أن يكون التفعيل في غضون أشهر، أي بحلول نهاية العام. لذلك يحتاج الناس إلى معرفة ذلك مقدما".

مع ذلك، تعتقد جورجيفا أن الصندوق يمكن أن يتحول إلى الاقتصادات النامية بجزرة أخرى: تحسين جودة الإنفاق لديكم، والتركيز على الإنتاجية، وقد تصبحون مرشحين لما تسميه "المصلحة الذاتية المستنيرة" "- إذا واجهتكم مشكلة في المستقبل، فقد تعرض عليكم دولة أخرى بشكل مباشر إنقاذكم من خلال 11 تريليون دولار هي إجمالي احتياطيات البنوك المركزية في العالم.

فكرة تشجيع مزيد من الدول على الشعور بمزيد من المسؤولية تجاه جيرانها في أزمة مالية قد تبدو متفائلة. ومع ذلك، من المستحيل أن ننظر إلى تاريخ جورجيفا في النجاة داخل المنظمات الدولية الكبيرة - لفترة وجيزة على رأس البنك الدولي، مفوضة للاتحاد الأوروبي – ثم نصفها بأنها ساذجة.

تقول إنها عندما بدأت عملها اقتصادية بالبنك الدولي في التسعينيات كانت وظيفتها الأولى هي المساعدة على تسريع إزالة البنزين المحتوي على الرصاص من أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق. "والآن هناك أطفال. في أوروبا، هم أكثر ذكاء، لأن الرصاص يؤثر بالطبع في معدل ذكائك، لأن البنك وظفني ويمكنني القيام بهذا العمل. الخطأ الذي نرتكبه غالبا هو محاولة التركيز على الرافضين ومحاولة إقناعهم، بدلا من تمكين وإثارة عوامل التغيير الإيجابي ومجرد..." - تضحك وهي تبحث عن الكلمات - "تجاهل هذه الضوضاء".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية