ما الذي يخيفك الآن؟ قد يميل بعض القراء إلى الرد "كل شيء تقريبا"، نظرا للوابل الكئيب الحالي من الأخبار السياسية والاقتصادية والوبائية.
في كل عام تحاول شركة التأمين الفرنسية الكبيرة، أكسا، فهم هذا السؤال بشكل أكبر. في هذا العام استطلعت آراء 20 ألف شخص من العامة ومجموعة من خبراء المخاطر حول العالم، إلى جانب مجموعة إيبسوس لأبحاث السوق ومجموعة يوروآسيا، وهي شركة استشارية لتقييم المخاطر السياسية. النتائج (المقدمة في ندوة عبر الإنترنت شاركت فيها أخيرا) تثير التفكر.
قبل عامين، عدت مخاطر الوباء في المرتبة العاشرة من حيث التهديد "الناشئ" - خلف الأخطار الناجمة عن "التطورات والابتكارات الطبية" مثل التعديل الجيني. في ذلك الوقت، تصدر تغير المناخ قائمة الرعب، كما حدث في معظم الأعوام الأخيرة، تليه مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، ومخاوف بشأن الوضع الجيوسياسي، وإدارة الموارد الطبيعية، والصراعات الاجتماعية المحلية.
في الوقت الراهن، ليس من المستغرب أن تتصدر المخاوف المتعلقة بالوباء القائمة، يليها في معظم المناطق تغير المناخ (باستثناء الولايات المتحدة، حيث تراجع ذلك كثيرا) وقضايا الأمن السيبراني. تشير أكسا إلى أن "إدراك مخاطر الحرب الإلكترونية ازداد". "47 في المائة من الخبراء ينظرون إليها على أنها التهديد الأمني الرئيس، مقارنة بـ37 في المائة العام في الماضي". المخاطر الاقتصادية والمالية هي الوحيدة التي لم تكن في قائمة "المخاوف العشرة الأكبر" قبل عامين.
تتغير المخاوف بالطبع، لكن اللافت للنظر هو النمط الإقليمي. بالقياس بشكل عام، يبدو أن 73 في المائة من الناس في العالم يقولون إنهم يشعرون اليوم بأنهم أكثر عرضة للخطر مما كانوا عليه قبل خمسة أعوام. لكن عند تحليل ذلك تجد قصة أخرى: النسبة كانت 75 في المائة في أمريكا، و55 في المائة في ألمانيا و25 في المائة في الصين.
قد يكون هذا لأن 45 في المائة من الخبراء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يقولون إنهم يشعرون "بالاستعداد التام أو مستعدين إلى حد ما لمواجهة الأوبئة والأمراض المعدية"، مقارنة بـ16 في المائة في الأمريكتين. تغير ذلك عن 2019 عندما كانت المعدلات 16 في المائة و31 في المائة، على التوالي.
على النقيض من ذلك، يشعر الصينيون بالقلق أكثر بشأن الأوضاع الجيوسياسية: 69 في المائة من الخبراء هناك يخشون الصراع الجيوسياسي، وهو ضعف الرقم بالنسبة للولايات المتحدة. هناك أيضا فجوة ملحوظة فيما يتعلق بتغير المناخ. يشعر أكثر من ثلثي الأشخاص في ألمانيا وبلجيكا وإيطاليا بالقلق حيال ذلك، مقارنة بـ45 في المائة فقط في الولايات المتحدة.
ماذا نستنتج من هذه الأرقام؟ الدرس الأول - والأكثر وضوحا - هو أن تصورنا للمخاطر ذاتي بشكل لا يصدق ويميل إلى أن يكون ذا نظرة إلى الوراء، مدفوعا بأي عناوين رئيسة قرأناها في العام السابق. هذا ليس واضحا فقط في استطلاع أكسا، بل يمكن رؤيته في تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أيضا.
في كانون الثاني (يناير)، تصدر تغير المناخ أيضا قائمة مخاوف المنتدى الاقتصادي العالمي، مع عدم توقع الأوبئة تقريبا. في 2007، مع اقتراب الانهيار الاقتصادي، كان التأثير المحتمل للأزمة المالية مفقودا بالمثل (لكنه ظهر في 2009 و2010 و2011 عندما لم تعد المشكلة تشكل هذا النوع من التهديد). قد يقول المتشائمون إن إحدى الطرق لمعرفة أي تهديد يمكن أن يكون على وشك زعزعة استقرار كوكب الأرض هو النظر إلى ما لم يحتل مرتبة عالية في قائمة المنتدى الاقتصادي العالمي وليس ما هو موجود.
النقطة الثانية هي أن القائمة تظهر تكلفة الغطرسة الوطنية. إن الانتباه إلى ما يثير قلق الدول الأخرى هو سياسة معقولة في عالم تسوده العولمة، لأن العدوى تشكل تهديدا دائما وتميل الثقة المفرطة إلى إيجاد مزيد من الضعف. في مقال مذهل لمجلة "نيتشر" الشهر الماضي، كتبت عالمة الأنثروبولوجيا مارثا لينكولن: "في العام الماضي فقط، كانت الولايات المتحدة تعد واحدة من أفضل الدول المجهزة لمواجهة فيروس مثل المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة. وضمن الدول الأخرى المجهزة كانت المملكة المتحدة والبرازيل وتشيلي". ومع ذلك، كان أداء هذه الدول في الواقع أسوأ من أداء كثير من الدول الأخرى.
وفقا للينكولن: "أحد الأشياء المشتركة بين هذه الدول هو (الاستثنائية) ــ نظرة إلى أنفسهم على أنهم متفردون، وأنهم بطريقة ما يختلفون عن الدول الأخرى". وجادلت بأن "استجاباتهم لـكوفيد - 19 تشير إلى أن وجهات النظر العالمية الاستثنائية يمكن أن ترتبط بنتائج أسوأ على الصحة العامة". مثلا، إذا تنبه مزيد من قادة الولايات المتحدة لمرض سارس أو الإيبولا في مرحلة مبكرة، فقد لا يشعر عامة الناس أنهم عرضة للخطر الآن.
هناك أيضا عواقب طويلة المدى لأنماط هذه المخاطر. ثلاثة أرباع الأمريكيين يشعرون أنهم أكثر عرضة للخطر مما كانوا عليه قبل خمسة أعوام، قد يكون ذلك ارتفاعا قصير الأجل مدفوعا بالضغوط المروعة هذا العام. لكن إذا استمر، فهل سيؤدي الشعور بقابلية التعرض للخطر إلى اتخاذ المستثمرين موقفا أكثر تحفظا ويلجأ المدخرون إلى تكديس مزيد من الأموال في المستقبل، كما رأينا بعد انهيار 1929؟
هل يمكن أن يؤدي الشعور المتزايد بقابلية التعرض للخطر إلى تغيير الخيارات المهنية أو أنماط التصويت للأمريكيين؟ هل يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الانقسام العنصري والاستقطاب السياسي؟ وهل يمكن لحقيقة أن الصينيين لا يشعرون، نسبيا، بمثل هذه الزيادة الصارخة في قابلية التعرض للخطر أن تجعل البلاد أكثر ميلا للمجازفة؟
من الصعب التكهن. لا أحد يعرف إلى متى سيستمر كوفيد - 19 لكن هناك شيء واحد واضح - سيظل المكان الذي تعيش فيه يؤثر بشكل كبير في أكثر ما يقلقك.
