التخطيط الحضري ما بين التنظير والتطبيق

|

لا شك أن التخطيط الحضري أحد مكونات التخطيط الشامل، الهادف إلى تنظيم المدينة، وضبط نموها، وزيادة فاعليتها، واستدامة خدماتها وتطويرها في ضوء مفهوم "مدن المستقبل"، أخذا في الحسبان الاحتياجات السكانية في الوقت الحاضر، مع ضرورة التنبؤ بالنمو المستقبلي للسكان، وما يترتب عليه من تغيرات في استخدامات الأرض وكذلك احتياجات القاطنين، إلى جانب التغيرات التقنية التي تنعكس على شكل المدينة ومرافقها. ومن المؤكد أن السياسات الحضرية في الوقت الحاضر تؤثر في مورفولوجية المدينة في المستقبل وكفاءة الخدمات التي تقدمها للسكان والمستثمرين والزوار.
وعلى الرغم من جهود التخطيط الحضري في جميع المناطق الحضرية في المملكة، فإن من الملاحظ تكدس الأنشطة الاقتصادية، وخاصة المحال التجارية والمطاعم في شوارع معينة دون غيرها، ما يؤدي إلى تدفق المرتادين من أرجاء المدينة كافة إلى تلك الأماكن. ولا شك أن هذه التجمعات البشرية، خاصة من فئة الشباب، تحمّل الجهات المسؤولة كثيرا من الأعباء والتكاليف المادية، إلى جانب معاناة الأحياء السكانية المجاورة لتلك الأنشطة.
نتيجة لذلك، تتحمل الجهات الأمنية، وخاصة إدارات المرور، أعباء جسيمة لتنظيم الحركة المرورية، ما يضطر تلك الجهات إلى إغلاق بعض الشوارع الفرعية، وأحيانا الرئيسة، وهذا يضيف أعباء بشرية ومادية تتمثل في الحاجة إلى تجنيد أعداد كبيرة من رجال الأمن والمرور لضبط الحركة المرورية والتأكد من سلامة المرتادين. ومما يزيد الطين بلة، أن هذه الأعباء ليست مرتبطة بموسم معين، لكنها مستمرة على مدار العام.
وفي الجانب الآخر، يعاني السكان في الأحياء المجاورة لتلك الشوارع الرئيسة، التي تحولت إلى أماكن تسوق وترفيه وبؤر لتجمع الشباب، معاناة كبيرة تتمثل في صعوبة وصول القاطنين في الأحياء المجاورة إلى منازلهم، ويحد من حركتهم، ويعيق انسيابية الحركة المرورية في المدينة أو أجزاء منها. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل تحولت الأحياء السكنية المجاورة إلى مواقف للسيارات ومناطق عبور فرعية نتيجة ازدحام الشوارع الرئيسة! وينتج عن ذلك الازدحام المروري داخل الأحياء، وصعوبة حركة المشاة، ويهدد الأمن داخلها في تلك المناطق السكنية.
وحول هذه المسائل، يبرز التساؤل المهم: من المسؤول عن هذا الوضع الذي أصبح دائما وليس مؤقتا؟! هناك من يرمي المسؤولية بكاملها على أمانات المدن التي تمتلك حق الترخيص للأنشطة الاقتصادية والمرافق الاجتماعية، وقبل ذلك التخطيط في المدينة. وفي الجانب الآخر، يرى البعض أن الموضوع يعكس غياب التنسيق المناسب بين الجهات ذات الصلة.
بصرف النظر عن المسؤول، فإن الأهم أن تسعى المدن الرئيسة إلى وضع استراتيجيات عمرانية خاصة بها تهدف إلى رفع جودة الحياة في المدينة، تحقيقا لأهداف رؤية المملكة 2030، وذلك من خلال "أنسنتها"، وتعزيز مفهوم الاستدامة بها، وتعظيم الاستفادة من خدماتها، إلى جانب تحديد استخدامات الأرض بطريقة تحافظ على هدوء الأحياء السكنية وخصوصيتها. فعلى الرغم من وجود المخططات الرئيسة للمدن، إلا أنني لم أطلع على استراتيجيات للمدن الرئيسة متاحة للجميع بشفافية ووضوح. ونظرا لأهمية هذا الموضوع، وانسجاما مع أهداف رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى تصنيف ثلاث مدن سعودية ضمن أفضل 100 مدينة في العالم، فإن الأمر يتطلب تظافر الجهود من قبل المدن الرئيسة في المملكة، مع ضرورة إشراك سكان هذه المدن، على اختلاف فئاتهم، كونهم المستفيدين من التنمية الحضرية بها.

إنشرها