الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

الصناعة البحرية التجارية، التي تنقل 90 في المائة من التجارة العالمية، يتم وخزها بانتظام بأنها إحدى الصناعات المولدة للانبعاثات الملوثة من زيت الوقود الثقيل، لكن جنيف شهدت الأسبوع الماضي مناقشات دولية فنية حول طبيعة سفن المستقبل وكيفية تحول القطاع إلى طاقة أنظف بأي وسيلة، بما فيها الاستنجاد بالأشرعة الهوائية للسفن وحتى بـ"حاويات ذات أشرعة"، الانتقال بدأ بتواضع وسيتطلب مبالغ ضخمة.

"موجة خضراء تجتاح الصناعة البحرية"، لكن لا يزال من الصعب قياسها، كانت الرسالة الرئيسة لندوة عقدت يومي الخميس والجمعة في جنيف، باسم "مؤتمر كفاءة النقل البحري"، واتسمت الندوة بكونها فنية بحتة، اهتمت كثيرا بالبيئة وقليلا بالتجارة والاقتصاد.

ووفقا للأمم المتحدة، فإن الشحن التجاري ينفث 3 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهي حصة من المتوقع أن تزداد، وعلى مدى الأعوام الـ60 الماضية، ارتفع حجم سفن الشحن العالمية، وأصبح 90 في المائة من البضائع يمر الآن عبر البحار مغذاة بزيت الوقود الثقيل الملوث للغاية، إذ يمكن لسفينة كبيرة حرق 300 طن في اليوم، حسبما ظهر من بعض النقاشات.

وناقشت الندوة التي حضرتها "الاقتصادية" القواعد والأحكام والضغوط - العامة والسياسية والمالية - التي تدفع أصحاب السفن إلى تبني حلول مستدامة، إذ يقول متحدثون "على هذا القطاع أن يتعامل مع هذه الرياح المعاكسة التي طالما تجاهلها، هناك بدائل عديدة للنفط، بعضها أكثر نضجا وبعضها أقل، ولكل منها مزايا وعيوب"، وجدت الندوة أنه منذ كانون الثاني (يناير)، خفضت المنظمة البحرية الدولية بشكل كبير محتوى الكبريت في انبعاثات السفن، لكن متحاورين قالوا "هذا غير كاف".

أنواع الوقود الأخرى

الغاز الطبيعي المسال يتقدم خطوة، حيث يساعد تكوينه الذي هو عبارة عن خليط من الهيدروكربونات الخفيفة "خاصة الميثان"، على نقله بسهولة، ويتكيف مع عدة أنواع من السفن، كما يأخذ مساحة صغيرة وأسعاره معقولة، ولهذه الأسباب تم تثمينه في الندوة، وتنبعث من الغاز الطبيعي المسال كميات أقل من ثاني أكسيد الكربون، لكنه ينفث ثاني أكسيد الكربون، في كل الأحوال، وانبعاثات الميثان ضارة، تم النظر إليه على أنه "حل انتقالي".

مرشحات أخرى ظهرت في الأفق "الوقود الحيوي" - يتم استخلاصه من الكائنات الحية النباتية أو الحيوانية - عدته الندوة أقل ضررا وأكثر توافقا مع عديد من المحركات، لكنه أكثر تكلفة، وتم أيضا استدعاء "الميثانول"، الذي يمكن تخزينه في درجة حرارة الغرفة "في حدود 21 درجة مئوية"، لكنه أقل كثافة في الطاقة من المنتجات النفطية ومكلف، وتم النظر أيضا بحظوة إلى مركب "الأمونيا"، الذي يستخدم في إنشاء الأسمدة، لأن أسعار هذا الغاز المسال معقولة، ولا يبعث ثاني أكسيد الكربون ولا ثاني أكسيد الكبريت. لكنه في المقابل، يأخذ مساحة في الخزن، وهو سام أيضا.

ودار النقاش أيضا حول الهيدروجين، الذي يتسم بالقوة، ويمكن إنتاجه دون انبعاثات ثاني أكسيد الكربون واستخدامه في محرك الاحتراق على شكل نضيدة "بطارية"، لكن من ناحية أخرى، يجب تخزينه في -253 درجة مئوية، أو تحت ضغط عال، ويمكن أن ينفجر عموما، حيث قال متحدثون "الهيدروجين طاقة موعودة يمكن أن يكون حلا قابلا للتطبيق خلال عقدين من الزمن".

التحكم في الرياح

التحكم في الرياح، موضوع كان حاضرا بقوة في الندوة، على الرغم من أن الشراع استخدم لأول مرة من قِبل الإنسان المصري القديم، حيث ترجع أقدم الرسومات في التاريخ عن الشراع إلى عصر الحضارة المصرية القديمة من نحو 3200 عام قبل الميلاد.

وقدمت ثلاثة حلول في جنيف خلال المناقشات، إذ تقوم مجموعة "إيكونوويند" الهولندية بتركيب حاويات للشحن ذات أشرعة قابلة للطي على متن القوارب، والنظام المرن الذي توضع من خلاله الصناديق بمساعدة رافعة، ما أن يتم تثبيتها، حتى يتم استخراج سارية قابلة للطي وشراع، كما يمكن للقارب أن يضع عدة أشرعة، ويقلل ذلك من استهلاك الوقود بمقدار الربع، طبقا لما قاله مدير الشركة.

واقترحت الشركة الفرنسية "أيرسيس" تعليق سلك فولاذي قوي في مقدمة السفينة في نهايته شراع، مثل ركوب البحر بواسطة الشراع الطائر، حيث تنتج طاقة أكثر من أي شراع ثابت، وتقلل من استهلاك الوقود بنسبة 20 في المائة وهي متاحة، وفقا لفنسنت بيرناتيتس مدير الشركة، الذي يأمل في تجهيز 15 في المائة من الأساطيل البحرية بحلول عام 2030.

قامت مجموعة "أليزيه" الفرنسية من جانبها ببناء قارب طوله 121 مترا مصحوبا بأربعة أجنحة مستطيلة وعمودية ارتفاعها 30 مترا، تم إدخالها في بدن سفينة، وتكون هذه الأجنحة قابلة للدوران بمقدار 360 درجة، يمكن أن تتحكم في سرعة وتيرة القارب في أي ظرف من الظروف وتوفير ما يصل إلى 30 في المائة من الوقود، حسب مدير الشركة.

البديل الكهربائي

في الرحلات التي تقل عن مائة كيلو متر، يمكن للسفينة الاعتماد على الدفع الكهربائي فقط، "نضيدة" الهيدروجين، حيث يمكنها أن تقوم برحلات تصل إلى 300 كيلو متر، وأبعد من هذه المسافة، ينبغي النظر في نماذج وقود هجينة، ويقول رئيس مجموعة "لو كلانشه" السويسرية في عرض الخميس الماضي "في بحر الشمال يتم تشغيل ما يصل إلى 80 في المائة من رحلات العبارات على الطاقة الكهربائية".

وأكد أن شركته شاركت في بناء عديد من العبارات، مثل "إلين"، وهي عبارة كهربائية دنماركية وزنها 750 طنا يتم تشغيلها منذ أكثر من عام، كما بنت سفينة الشحن "يارا بيركلاند"، القادرة على حمل مائة حاوية وتم تدشينها فى أيار (مايو) فى رومانيا، لكنه قال "يبدو أن الكهرباء غير سالكة في الوقت الحاضر للسفن الكبيرة والطرق الطويلة".

من النووية إلى حاوية

تقول وكالة "بلومبيرج" عبر ممثلها الذي شارك في الندوة "تستخدم الطاقة النووية في مائة سفينة عسكرية خاصة، ولها فوائد جمة - تولد سرعات عالية خالية من الانبعاثات - ويمكن أن تفوق في نهاية المطاف تكاليف التطوير والحماية من وقوع حادث".

ويقوم مالكو السفن الرئيسون ببناء قوارب أكبر من أي وقت مضى، مثل "أم أس جي كولوسون" MSC Gulson، التي تم تدشينها العام الماضي، ويمكن أن تحمل 47512 سيارة، إذ يقول المتحدث باسم الشركة، التى تتخذ من جنيف مقرا لها خلال المؤتمر "إنه كلما كانت السفينة أكبر، قلت نسبة الانبعاثات مقارنة بالسلعة التي يتم حملها".

وقال ديفيد باور، صاحب شركة "آيلر"، "العمل على الهياكل يسمح للسفن بالانزلاق بشكل أفضل، ويتيح لها معرفة أدق بالمحيطات لاستغلال التيارات المائية". تم البحث في الحاويات أيضا، التي عدها المؤتمرون أنها الآلية الرئيسة للعولمة.

وأضاف "إذا استبدلنا جميع الحاويات في العالم بالحاويات التي نقترحها، فإننا سنلغي ما يعادل انبعاثات بلجيكا بأكملها من الغازات الضارة". تقدم هذه الشركة السويسرية حاويات حجم الحاوية التقليدية نفسه، لكنها أقوى وأخف وزنا.

وحذر أحد المتحدثين من جنيف، من أن انخفاض أسعار النفط الخام لا يشجع على الانتقال إلى الطاقة البديلة، وأن القواعد الدولية الحالية ليست حافزا كافيا، مؤكدا أن سفن المستقبل ستستخدم مزيجا من التقنيات المختلفة حسب حجمها ومسارها، وأن الاستثمارات في الطاقة المتجددة مهمة جدا من الناحية المالية، لأن التقنيات ستحقق وفورات على المدى الطويل.

القوارب الهجينة

سيبحر قاربان هجينان في 2022 في جنيف، بعد أن استثمرت شركة "سي جي أن" 66 مليون دولار لتجديد أسطولها، حيث تم بناء السفينتين من قبل شركة لوسيرن، شيبتيك. يبلغ طول الواحدة 60 مترا، ويمكن أن تستوعب 700 راكب. السفينتان مجهزتان بألواح شمسية و"نضائد" وهياكل خفيفة من الألمنيوم والمراوح عالية الأداء، وستنفث السفينة الواحدة 40 في المائة أقل من ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالسفن الحالية، كما ستكون أسرع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية