تعد قضية التوزيع العادل للدخل والثروة الوطنية، من أبرز القضايا وأكثرها تعقيدا وإثارة للجدل في جميع المجتمعات بلا استثناء. وللقضية ذات الأوجه المتعددة أسباب تجعلها في مقدمة الاهتمامات الشعبية والرسمية على حد سواء.
فعلى المستوى الاقتصادي كشفت الأبحاث والدراسات أن توزيع الدخل والثروة بشكل عادل يوجد أوضاعا اقتصادية أكثر استقرارا وأكثر تحفيزا للنمو، يضاف إلى هذا بالطبع مزيد من الترابط الاجتماعي، وتعزيز الانتماء الوطني، ولتلك القيم انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الهيكل الاقتصادي العام.
قضية العدالة في توزيع الدخل والثروة مثلت دائما جزءا رئيسا من النقاشات المحتدمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا شك أن الجدل بشأنها ازدادت حدته في الأعوام الأربعة الماضية، منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى سدة السلطة، حيث تتصاعد النقاشات بشأنه مجددا مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ورغم التحسن الذي شهده الاقتصاد الأمريكي في عهد الرئيس ترمب على الأقل حتى تفشي وباء كورونا، إلا أن التفاوت الاقتصادي استمر في الاتساع، ويعد عدم المساواة في الدخل في الولايات المتحدة الأعلى بين جميع دول مجموعة السبع "الولايات المتحدة، كندا، اليابان، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، وإيطاليا".
كما تضاعفت فجوة الثروة بين العائلات الأكثر ثراء وفقرا في الولايات المتحدة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 30 في المائة من العمال الأمريكيين يكسبون أقل من عشرة دولارات في الساعة، وهذا يعني أن دخولهم أقل من مستوى الفقر الفيدرالي، كما ازدادت فجوة الدخل والثروة بين السود والبيض بمرور الوقت، إذ نما الفارق في متوسط دخل الأسرة بين الأمريكيين البيض والسود من نحو 23800 دولار سنويا عام 1970 إلى 33 ألف دولار قبل عامين.
من وجهة نظر عدد كبير من الاقتصاديين فإن ثلاثة أسباب تعمق أزمة عدم المساواة في الدخل في الولايات المتحدة، أولها التجارة الخارجية، وثانيها التعليم وعلاقته بالاحتياجات التكنولوجية، وأخيرا المؤسسات القائمة.
بدوره، قال لـ"الاقتصادية" الدكتور ميتشيل أمديد أستاذ مبادئ الاقتصاد في جامعة لندن، "جزء كبير من ظاهرة عدم المساواة في الدخول في الولايات المتحدة يعزى إلى المنافسة التي تواجهها الشركات الأمريكية من الصين، فالشركات الأمريكية عليها منافسة الشركات الصينية والهندية منخفضة التكلفة التي تدفع إلى عمالها أجورا أقل بكثير، ونتيجة ذلك قام عديد من الشركات الأمريكية بالاستعانة بمصادر خارجية لوظائف التكنولوجيا الفائقة، حيث لجأت إلى التصنيع في الخارج، وكانت تلك الوظائف تقليديا ذات رواتب مرتفعة، وعلى الرغم من أن أعداد العاملين في القطاع الخدمي قد زادت في الاقتصاد الأمريكي إلا أن أجورها أقل بكثير".
وحول علاقة التعليم بالتكنولوجيا وتأثيره في تفاوت الدخول، تؤكد لـ"الاقتصادية"، الدكتورة إملي جرين أستاذة الاقتصاد الأمريكي في جامعة أكسفورد، أن التعليم عامل قوي في تحسين الحراك الاقتصادي، ويزيد من الدخل ويولد نموا اقتصاديا أكبر، وعلى مدى الحياة يكسب الأمريكيون الحاصلون على شهادات جامعية 84 في المائة أكثر من أولئك الحاصلين على شهادات ثانوية فقط.
وتضيف "الثورة الرقمية توجد ثروة هائلة لأولئك الذين لديهم المهارات والاستعداد للاستفادة منها، لكنها على النقيض تقضي على ما يسميه الاقتصاديون وظائف المهارات المتوسطة، حيث تقوم برامج الكمبيوتر والآلات الصناعية بملء هذه الأدوار التي كانت ذات يوم تنتج مداخيل كبيرة للطبقة المتوسطة وللعاملين الذين ليس لديهم شهادات جامعية".
ووفقا لدراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فإن زيادة قيمة حل المشكلات المجردة، والتواصل بين الأشخاص، ومهارات التنظيم، أشياء يميل العاملون من أصحاب التعليم العالي إلى أن يكونوا قادرين عليها، كما أن التكنولوجيا خفضت في الوقت نفسه كثيرا من المهام المعرفية المتكررة كالأعمال المكتبية، وقد أسهم ذلك في الضغط على الأجور ومن ثم انعدام الأمن الاقتصادي لمن هم أقل تعليما.
ولا شك أن الطلب على المهارات يزداد باستمرار في الدول المتقدمة، وما يعرف في الاقتصاد بعلاوة المهارة ما هو إلا نتيجة لعدم توافر المهارات بمعدل كاف لمواكبة الطلب، وهذا ما يجعل أحد أهم الحلول للحد من عدم المساواة يتمثل في زيادة فرص التعليم والتدريب الوظيفي للعمال للحصول على وظائف ذات رواتب أفضل.
على الرغم من ذلك كله فإن العامل الذي يبدو تأثيره ملحوظا بشكل أكثر حدة في ترسيخ التفاوت الشديد في الدخول في الولايات المتحدة، هو الطابع المؤسسي الذي يرسخ تلك الظاهرة، فسياسات الحكومة الأمريكية أوجدت إطارا مؤسسيا أدى إلى زيادة عدم المساواة، فتقييد النقابات، والتغييرات الضريبية، والسياسات الفيدرالية النقدية، والاهتمام الشديد بمصالح أصحاب الأسهم مقابل مصالح العمال، والرغبة الدائمة من قبل رؤساء مجالس الإدارات في تخفيض بند الرواتب، قد أسهمت في تعميق الفجوة الطبقية في الولايات المتحدة.
وأشار تقرير الخبراء في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى أن حصة أرباح الشركات الأمريكية قبل الضرائب أظهرت زيادة هائلة في العقود القليلة الماضية، إلا أن هذا ارتبط بهبوط في حصة العمالة.
ويلاحظ أن ركود نمو الأجور وارتفاع أرباح الشركات في الولايات المتحدة أدى إلى شكلين من أشكال عدم المساواة، الأول تمثل في ارتفاع نصيب دخل الأسر العليا بشكل مطرد، وهو ما يعرف بتفاوت الدخول، كما ترافق ذلك مع تفاوت آخر في مستويات الثروة، إذ زاد صافي ثروة أكبر 5 في المائة من الأسر بنسبة تقدر بـ186 في المائة خلال 33 عاما بسبب مكاسب رأس المال.
وتشير البيانات المتعلقة بملكية الأسهم في الولايات المتحدة إلى أن 55 في المائة من الأسر الأمريكية امتلكت أسهما عام 2020، إلا أن الجزء الأكبر من حصة الأسهم في الولايات المتحدة ملك للأثرياء، فنحو 10 في المائة من الأسر الأمريكية تتحكم في 87.2 في المائة من السوق، وفقا لبيانات الربع الأول من العام الجاري، وذلك في الوقت الذي يمتلك فيه 50 في المائة من الأسر الأمريكية 2.2 فقط من الأسهم، كما أن 1 في المائة من الأسر الأمريكية يسيطرون دائما على ما يراوح ببن 70 و80 في المائة من قيمة سوق الأسهم منذ بدء حفظ السجلات في عام 1989.
تشارلز داكر الخبير الاقتصادي والاستشاري السابق في بنك إنجلترا يحمل مسؤولية فجوة الثروة المتزايدة في الولايات المتحدة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
ويقول لـ"الاقتصادية"، "إن فجوة الثروة تتزايد في الولايات المتحدة نتيجة سياسات الاحتياطي الفيدرالي التي تعمل على دعم أسعار الأسهم منذ أعوام، حيث إن 20 في المائة من الشركات الأمريكية غير مجدية، لكنها تستمر في العمل وطرح أسهمها في البورصة لأن الفيدرالي الأمريكي يدعمها عبر شبكة أمان لأسهم تلك الشركات".
الأسهم ليست فقط المجال الأوحد لاستثمارات الأسر الثرية في الولايات المتحدة، إذ إن 1 في المائة من الأسر الأمريكية يمتلكون قرابة 13 في المائة من العقارات بينما يمتلك 50 في المائة من الأسر نحو 55 في المائة من العقارات.
مع هذا يرى البروفيسور أرثر دين أستاذ قسم الاقتصاد سابقا في جامعة ليدز أن النمو الاقتصادي يتطلب درجة من عدم المساواة، لكنها درجة مقبولة مجتمعيا.
ويؤكد لـ"الاقتصادية" أن عدم المساواة ربما يمنح الاقتصاد الأمريكي ديناميكية ملحوظة ومميزة، لكن المشكلة عندما تتسع الفجوة إلى مستويات تعرض تلك الديناميكية للخطر، أو أن يؤدي عدم المساواة الاقتصادية إلى نشوء سلالة من أبناء الأثرياء يواصلون الاحتفاظ بالثراء بحكم علاقاتهم الأسرية، وليس بحكم الكفاءة.
ويقول "عندما يذهب أبناء الأثرياء إلى المدارس المميزة، لأنهم قادرون على دفع المصروفات التعليمية، ورغم ذلك يتخرجون بمستوى كفاءة متوسط، بينما لا يحظى الموهوبون من أبناء الطبقة المتوسطة أو الفقراء بتعليم جيد، لعدم قدرة الأسرة على تمويل العملية التعليمة، ورغم ذلك يواصلون التمتع بالموهبة والكفاءة، ثم نجد أبناء الأثرياء يظلون أثرياء رغم تدني كفاءتهم وأبناء الفقراء يظلون فقراء رغم كفاءتهم، وعليه فإن قدرة الاقتصاد على مواصلة النمو في الأجل الطويل تصبح محل شك".


