الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

هناك كثير من جوانب النظام الغذائي الياباني التي تساعد على تفسير العمر الطويل الذي يعيشه مواطنو تلك الدولة، خصوصا هيمنة الخضراوات والحبوب بدلا من الدهون المشبعة والأطعمة المصنعة. إحدى الخصائص التي لا تناقش بشكل متكرر بخصوص الفوائد الواسعة هي تنوع الأطعمة.

صديقة يابانية لي، عندما كانت طفلة علمتها عائلتها أن وجبات اليوم ينبغي أن تحتوي على 25 مكونا ولونا وقواما. لم يكن نظامها الغذائي ممتعا وصحيا فحسب، وإنما كان أيضا دلالة وتأييدا لنظام إنتاج غذائي أكثر توازنا للبلاد ودعما له.

العادات الغذائية في جميع أنحاء العالم تسير في الاتجاه المعاكس. الاستهلاك المفرط تقابله اختيارات أضيق، موحدة وصناعية وغير مناسبة. وفي حين يعاني مليار شخص حول العالم الجوع، نجد أن ضعف هذا العدد يأكل كميات كبيرة فوق الحد من الطعام غير المناسب.

تكثر الحكايات عن المنازل التي اختفت فيها أماكن تناول وجبات الطعام والمحادثات العائلية – وحتى المطابخ. يلتهم البالغون والأطفال الوجبات السريعة في جلسات منفصلة على الأرائك أمام الهواتف الذكية.

تضاءلت المعرفة الأساسية بالطهي. تم التخلي عن حصص "التدبير المنزلي" في المدارس الابتدائية. والدورات التدريبية في تقديم الطعام تركز على الجانب النظري والصحة والسلامة لكنها أبطأ في دفع الطلاب نحو الطهي الفعلي. يبدو أن العدد المتزايد من برامج الطهي التلفزيونية يتناسب عكسيا مع الوقت الذي يقضيه الناس في المطبخ. المستهلكون في الدول الأكثر ثراء (بما في ذلك كثير من أفقر الناس في المجتمع) يأكلون أكثر وينفقون المزيد على الوجبات الجاهزة الغنية بالملح والإضافات والتغليف.

هذا جزئيا من الآثار الجانبية لاتجاه إيجابي، مع صعود النساء اللائي لديهن مزيد من الفرص الاقتصادية ووقت أقل وضغط اجتماعي لقضاء ساعات غير مدفوعة الأجر في التسوق والطهي. كما أنه نتيجة لدورة مكثفة من الطعام "السريع" بكل معنى الكلمة.

هذه الأنماط لها عواقب، لأن الأطعمة المعالَجة والصناعية تزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسرطان وأمراض أخرى - وهي عوامل بدأت في عكس المكاسب التي تحققت في متوسط العمر المتوقع في دول على رأسها الولايات المتحدة. أظهرت دراسة أجريت على نحو 45 ألف مقيم فرنسي على مدى نحو عقد من الزمن وجود صلة بين الأغذية المعالجة والوفيات.

في كانون الثاني (يناير) قدرت لجنة لانسيت حول الأنظمة الغذائية الصحية المأخوذة من النظم الغذائية المستدامة، أن الأنظمة الغذائية غير الصحية تسبب ما يصل إلى 11 مليون حالة وفاة مبكرة يمكن تجنبها على مستوى العالم كل عام، ما يشكل خطرا أكبر للإصابة بالمرض والوفاة من الكحول والمخدرات والتبغ مجتمعة.

تؤثر ممارسات إنتاج الغذاء أيضا في كوكب الأرض، إذ تسهم في تغير المناخ والتلوث الكيميائي. تمثل الزراعة 40 في المائة من استخدامات الأراضي في العالم، و30 في المائة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، و70 في المائة من استخدام المياه العذبة. وهذا يشمل كثيرا من الإنتاج غير الضروري، بالنظر إلى نفايات الطعام الكبيرة.

الطلب على الغذاء وأنظمة غذائية معينة يعتمد على عدد صغير من المنتجات، ما يؤدي إلى الضغط على التنوع البيولوجي ونشأة نقاط ضعف جديدة. يجري تحويل النظم البيئية الطبيعية إلى أراض زراعية ومراع، ما يهدد الأنواع البرية. والنيتروجين والفوسفور في الزراعة يقتلان الحياة المائية.

تقرير صدر في آب (أغسطس) الماضي عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة سلط الضوء على أن هناك 40 نوعا من الماشية والدواجن توفر أغلبية الحليب واللحوم والبيض للإنسان، وأن كثيرا من الأنواع الحية الأخرى معرضة للخطر. من بين أكثر من 14 ألف نوع من النباتات الصالحة للأكل، يستخدم البشر فقط نحو 150 إلى 200 نوع، وهناك ثلاثة فقط - الأرز والقمح والذرة - تمثل 60 في المائة من جميع السعرات الحرارية التي يستهلكها البشر. ويمكن أن تؤدي إصابة أي منها بالمرض إلى مشكلات خطيرة في العرض.

من المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى خفض الإنتاج في خطوط العرض المنخفضة، وبحسب بعض التقديرات، يتسبب في انخفاض بنسبة 8 في المائة في المتوسط في ناتج المحاصيل عبر إفريقيا وجنوب آسيا بحلول 2050. هذا الوضع يتفاقم بسبب الممارسات الزراعية.

مع زيادة التحضر يفقد البشر بشكل متزايد ارتباطهم بالمناطق الريفية والزراعة، ويصبحون أكثر فأكثر غير مدركين لتأثيرات طلبهم المتزايد على الغذاء، والأساليب المستخدمة والأضرار التي تحدث.

عكس المسار لن يكون سهلا. يجب أن تلعب الحكومات والمنظمون دورا أكثر تدخلا، بدءا من الاستثمار في التعليم الأساسي وتشجيع الطهي والتغذية الأفضل، إلى التنظيم الأكثر تشددا بخصوص الإعلانات عن الأطعمة غير الصحية والضرائب على المكونات غير الصحية.

ينبغي أن تكون أسعار المواد الغذائية دلالة على تكاليفها الحقيقية، بما في ذلك العبء البيئي الأوسع لطرق الإنتاج الحالية. يجب على المؤسسات العامة – بما في ذلك المكاتب والمدارس والمستشفيات – أن تكون قدوة من حيث الوجبات الصحية للموظفين والزوار.

تحتاج شركات الأغذية الزراعية إلى الاستثمار في أشكال إنتاج أكثر كثافة لكن أقل إضرارا بالتنوع البيولوجي. يجب أن يكون هناك استثمار كبير في أصناف جديدة أكثر مقاومة لتغير المناخ. تحتاج المطاعم ومحال السوبر ماركت أيضا إلى تقليل النفايات، بما في ذلك من خلال أحجام الكميات المناسبة.

يجب على الناس أيضا تحمل المسؤولية، والابتعاد عن اللحوم ومنتجات الألبان، وتكييف الأذواق، وتقليل الهدر وتقدير قيمة "الطعام البطيء" من خلال الطهي وتناول الطعام معا.

من دون أنظمة غذائية أكثر إبداعا وتنوعا، وطرق أخرى لتناول طعام أكثر صحة، كما خلصت لجنة لانسيت، سينتهي بنا الأمر إلى أن نكون من الذين يتناولون طعامهم في نظام غذائي سيئ، مع إفقار كوكب الأرض. ألا يصلح هذا ليكون موضوعا لحديث حول مائدة العشاء العائلية على وجبة طازجة؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية