الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

صدر أمر ملكي أمس، من عشر نقاط رئيسة، مقسمة بين موضوعين من موضوعات الضريبة، وهي ضريبة القيمة المضافة وضريبة التصرفات العقارية، حيث تم إعفاء التوريدات العقارية من ضريبة القيمة المضافة، ورد ما يتم دفعه بعد هذا الأمر من قيمة ضريبة القيمة المضافة على المدخلات للمطورين العقاريين المرخصين.

كما تم فرض ضريبة جديدة باسم "ضريبة التصرفات العقارية"، وقدرها "5 في المائة" من قيمة التوريد العقاري، تستحصل عند توثيق التصرف العقاري، على أن تتحمل الدولة ضريبة التصرفات العقارية عما لا يزيد على مبلغ مليون ريال من سعر شراء المسكن الأول للمواطن.

كما نص الأمر الملكي بأن تعد الهيئة العامة للزكاة والدخل مشروع نظام لضريبة التصرفات العقارية في ضوء الأمر الملكي. بالتأكيد، فإن أول ما يقال عن هذا التوجيه أنه يأتي نتيجة متابعة خادم الحرمين الشريفين، للأثر الاقتصادي لفرض ضريبة القيمة المضافة وتأثيرها في حياة المواطن وقراراته الاقتصادية، وذلك في ضوء المرتكزات الأساسية لرؤية المملكة 2030، فالضريبة هي أداة اقتصادية في أول الأمر وآخره، وتتم الاستفادة منها لأجل تحقيق الأهداف الاقتصادية والمحافظة على توازن الأسواق، فالتعديل على أسعار الضريبة أو أنظمتها أو استحداث نوع جديد أو إلغاء أو الإعفاء، كلها من الأدوات الاقتصادية المتعارف عليها.

ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع الاقتصادي ينظر إلى هذا الموضوع وهذه التعديلات كظاهرة صحية جدا، فهو إشارة واضحة الدلالة على المراقبة الدقيقة لحالة الاقتصاد وجميع قطاعاته، بحيث يستفاد من الضريبة كمحفز اقتصادي ولتوجيه الاستثمارات نحو هذا القطاع أو ذاك، فكما أن ضريبة السلع الانتقائية تهدف إلى معالجة سلوك المستهلك نحو بعض السلع ذات الآثار البيئية أو الصحية، فإن فرض ضريبة للتصرفات العقارية، التي ستكون مستقلة تماما عن ضريبة القيمة المضافة، ستمنح الدولة فرصا أكبر لمعالجة اختلالات القطاع العقاري المهم جدا، والتغلب على تأثيراته السلبية في الاقتصاد الوطني عموما.

عندما تم استحداث ضريبة القيمة المضافة، كان الهدف الأكثر وضوحا هو تنمية الإيرادات العامة وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وذلك لتمكين الاقتصاد من مواجهة صدمات تقلبات الأسعار العالمية، خاصة في قطاع النفط الذي كان يمثل المصدر الرئيس لتمويل المالية العامة.

وأثبتت الآثار الاقتصادية للجائحة أن ظهور ضريبة القيمة المضافة في المشهد الاقتصادي السعودي، كان السلاح الأكثر فاعلية لتجنب الصدمة الاقتصادية، التي كانت ستكون غير متوقعة مع تراجع أسعار النفط بين عشية وضحاها إلى مستويات تاريخية، لكن وجود نظام ضريبة القيمة المضافة مكن الحكومة من إجراء تعديلات مقبولة مكنت من تجاوز هذا العام بأقل تراجع اقتصادي ممكن، مقارنة بالعالم، ومع إشارات واضحة بالتحسن الكبير خلال عام 2021.

لكن مسألة وماهية ضريبة القيمة المضافة، إنها عمومية، بمعنى أنها تؤثر في جميع القطاعات دون تمايز فيما بينها، والتعديل على سعر الضريبة لمعالجة قطاع معين قد يؤثر سلبيا في قطاع آخر. لذا، فإن التطوير المستمر في الضرائب وتعدد أدواتها، يمكن الحكومة من تعديل كل ضريبة بما يتناسب مع حالة القطاعات والتوازن الاقتصادي عموما، لأن الهدف من الضريبة - كما أسلفنا - هو تحقيق التوازن الاقتصادي الكلي.

وفق هذا السياق، فإن ظهور ضريبة التصرفات العقارية، وبهذا المسمى خصوصا، يجعل التصرفات العقارية هي المعنية وليس العقار بذاته، فهي شبيهة بضريبة القيمة المضافة، لكنها تتعلق بالقطاع العقاري فقط، ذلك أن هذا القطاع ذو مرونة عالية نحو سعر الضريبة، فالتغير بنحو 10 في المائة في سعر الضريبة، زيادة أو نقصا، يقود السوق نحو تقلبات حادة في مستويات العرض والطلب، وبشكل مختلف جدا عن بعض السلع التي قد يكون التغير في سعر الضريبة عند هذه المستويات لا يؤثر في حجم الطلب الكلي.

ولأن الإسكان هدف اقتصادي ومرتكز من ضمن مرتكزات رؤية المملكة 2030، فإن التغير في سعر الضريبة قد يؤثر في تحقيق هذا الهدف، لذا تصبح الضريبة وتسعيرها جزءا من الخطة الاقتصادية والبرنامج لتحقيق هدف الإسكان، وهذا ما يجعل من الضروري أن يتم تحرير سعر ضريبة التصرفات العقارية عن سعر ضريبة القيمة المضافة.

وهنا، فإن الإسكان هدف اقتصادي ومرتكز استراتيجي، ولهذا فتحفيز هذا القطاع هو مدار القرارات الاقتصادية والتوجهات العامة للدولة. ولأن الضريبة ليست هدفا اقتصاديا، إنما وسيلة وأداة للتحفيز الاقتصادي، وهي من أشهر أدوات المالية العامة، فقد جاء الأمر الملكي بتخفيض نسبة ضريبة التصرفات العقارية تحفيزا للطلب الكلي، وتشجيع المستثمرين للتوجه نحو هذا القطاع.

كما صدر الأمر الملكي لتتحمل الدولة هذه الضريبة عند مستوى مليون ريال، وهذا التوجه يعزز من الطلب الكلي ويحقق الهدف الاستراتيجي بحصول كل مواطن على سكن، خاصة أن السعودية من أعلى دول العشرين في هذا المجال.

فهذا الدعم السخي من خادم الحرمين الشريفين، يؤكد متابعته الشخصية لكل الآثار الاقتصادية للقرارات المختلفة على المواطن، مع المحافظة في الوقت نفسه على التوازن الكلي لتحقيق اقتصاد تشاركي آمن ومستدام.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية