كورونا ما بين التهاون والإخلال بالنزاهة البحثية

|
بالأمس القريب، توقعت منظمة الصحة العالمية ارتفاع عدد الوفيات إلى مليونين قبل التوصل إلى لقاح ناجع. وهذا يؤكد بوضوح عدم جاهزية النظام الصحي العالمي في مواجهة الكوارث الصحية عموما، وجائحة كورونا على وجه الخصوص، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية. فالوضع مضطرب، ما بين اضطراب في الاستجابة للوباء، واضطراب في التعامل مع الفيروس، واضطراب في البحث عن لقاح ناجع! فبعد عام تقريبا على اكتشاف هذا الفيروس، بلغت الإصابات إلى صباح أمس نحو 33 مليون نسمة، وتسبب الفيروس في فقدان نحو مليون شخص. ومن اللافت للنظر أن تأتي في المقدمة الولايات المتحدة، وهي الأكثر قوة وتقدما ونفوذا في العالم، من حيث الخسائر البشرية التي تجاوزت سبعة ملايين إصابة، وأكثر من 200 ألف وفاة، وأن تأتي الصين، وهي البؤرة الأولى لانتشار الفيروس، ضمن قائمة الدول الأقل خسائر!
لم يمر إخفاق بعض الحكومات في مواجهة جائحة كورونا مرور الكرام، بل واجه بعض الحكومات والإدارات التابعة لها شكاوى وتحقيقات حول إدارة الأزمة الصحية للفيروس على خلفية الشكاوى المرفوعة من مواطنين في كل من إيطاليا وفرنسا. والقول نفسه ينطبق على بريطانيا التي كانت استجابتها في بداية الأزمة ضعيفة. ولم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن ذلك، بل وجهت انتقادات شديدة لإدارة الرئيس الأمريكي بشأن الفشل في مواجهة كورونا، خاصة مع ارتفاع عدد الوفيات إلى رقم تجاوز تقديرات الخبراء في المجال الصحي، فلربما يقلل ذلك من فرصة فوز الرئيس ترمب بفترة رئاسية ثانية.
لم يقتصر الفشل على الحكومات وجاهزيتها للتعامل مع الأزمة، بل شمل المجتمع العلمي الذي أثبت هشاشته وعدم كفاءته في التعامل مع الأزمات الصحية، من خلال: (1) عدم الانضباط وعدم الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي بالإعلان عن نتائج فردية خارج سياق الدراسات الأخرى في المجال نفسه. (2) الاستعجال في الاتصال الإعلامي، اعتمادا على تقارير غير مكتملة من دراسات تحت الإجراء، ولم تخضع للمراجعة والتحكيم بشكل مناسب، ومن المعروف أن تحكيم النظراء من ذوي الخبرة في المنهجية العلمية أمر في غاية الأهمية، لتأكيد جودة البحث العلمي، والحد من تلفيق البيانات والنتائج Fabrication، وتزييف النتائج Falsification، أو عرض النتائج بطريقة خاطئة. (3) تسابق محموم من قبل الباحثين في الادعاء بالتوصل الوشيك إلى لقاح، دون الالتزام بالإجراءات الطبية المعتادة والتجارب السريرية، ما أدى إلى ايقاف بعض الباحثين. (4) تسابق رؤساء الدول بالإعلان عن التقدم في مجال البحث العلمي والإعلان عن نجاح وشيك في التوصل إلى لقاح.
مؤسف أن الساحة الصحية خلال أزمة كورونا أصبحت ملعبا لكل من "هب ودب"، ما بين أطباء شعبيين لا يعرفون إلا القليل عن الصحة، وباحثين شباب يأخذهم الحماس للشهرة إلى الاستعجال في الإعلان عن نتائج أولية غير مدققة، أو حتى ارتكاب أخطاء في الإجراءات والتجارب طمعا في السبق، خاصة من أولئك الباحثين الذين لا تتوافر لديهم البيئة أو البنية البحثية اللازمة أو الخبرة العلمية الكافية!
وكنتيجة لهذه الفوضى والعبث العلمي، ازداد عدد البحوث المسحوبة من بعض المجلات العلمية المرموقة التي تتمتع بسمعة عالمية ومعامل تأثير مرتفع مثل Lancet وكذلك New England Journal of Medicine.
وأخيرا، أتمنى الحد من الهدر المالي في دعم باحثين لا تتوافر لديهم مقومات النجاح في التوصل إلى لقاح، ولكن أستدرك فأقول لعل في ذلك تدريبا وصقل مواهب بحثية من أجل العطاء في المستقبل، بإذن الله.
إنشرها