اليوم الوطني بأسلوب مختلف

|
منذ أكثر من 40 عاما كنت أدرس في بريطانيا، ودعيت ذات ليلة للعشاء عند أسرة إنجليزية وكان معظم الحاضرين من كبار السن، وكعادة الإنجليز يحبون طرح الأسئلة سألني أحدهم قبل أن أستقر في مكاني: من أي دولة أنت؟ فأجبت من المملكة العربية السعودية. فصاح الجميع دولة غنية وبها بترول كثير! ووجدتها فرصة فقلت: بل دولتكم هي الدولة الغنية حقا، جامعات متطورة ومستشفيات حديثة، وشبكة قطارات ومطارات وطرق تربط كل أنحاء البلاد. وقرأت الارتياح على وجوههم لأنني أمدح دولتهم، وخشيت أن يفهم حديثي على أنه نقد لبلادي فقلت على الفور، ولكننا نعمل وبجد لتحقيق ما وصلتم إليه، وربما أفضل في أعوام لن تطول لأن الدخل من البترول يوظف ويصرف بكفاءة لتحقيق ذلك. وفعلا وبعد أربعة عقود أو تزيد قليلا نجد عشرات الجامعات، وأكثر منها من المستشفيات والمطارات الحديثة والمصانع الضخمة والشركات العملاقة في مختلف المجالات، وسوقا مالية هي الأكبر والأقوى في المنطقة والطرق التي تربط بلادنا المترامية الأطراف بشبكة يندر وجودها في دول دخلها مثل بلادنا، ومساحتها أصغر بكثير لكن الإدارة تختلف. فالحمد لله على ما تحقق، والأمل في بلوغ كل أهداف رؤية التنمية الشاملة التي يعمل الجميع لإنجازها.
كل ذلك مقدمة لموضوع اليوم الوطني الذي يتم التوقف معه في 23 سبتمبر من كل عام لتذكر الماضي المجيد، حينما وحد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن هذا الكيان الكبير، وأطلق عليه اسما جامعا هو المملكة العربية السعودية.. وكان ذلك بموجب المرسوم الملكي رقم (2716) وتاريخ 17 جمادى الأول 1351 الموافق 23 سبتمبر 1932 أي قبل تسعة عقود. ولكي لا يظن البعض أن حضارتنا مادية بحتة حينما أتحدث عن الطرق والمطارات والقطارات أقول، إن الجانب التراثي والثقافي لحضارتنا غني جدا، بل إن الاكتشافات الأثرية الأخيرة أثبتت أن كنوز الحضارة في بلادنا أكثر وأقدم منها في بعض الدول التي تدعي أن التاريخ والحضارات القديمة لديها فقط، وأن الجزيرة العربية ليس بها مثل هذه الكنوز الثمينة. كما أن الإنسان في بلادنا مبدع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولو قدم الاحتفال باليوم الوطني بأسلوب مختلف عن الأعوام السابقة، بحيث تقدم خلاله برامج ثقافية وندوات وحلقات نقاش ومسابقات تبرز المواقع الأثرية والمدن وإبداعات الشباب والشابات السعوديات، بما في ذلك براءات الاختراعات التي تزداد عاما بعد عام، لو قدم اليوم الوطني بهذه الطريقة بإشراف ثلاث وزارات، وهي الثقافة والتعليم والإعلام لبرز الوجه الحضاري والتقدم الذي بلغته بلادنا في أعوام لا تعد شيئا في عمر الشعوب والدول.
وأخيرا: هنيئا لنا جميعا قيادة وشعبا بدولة غنية فعلا ليس بالبترول فقط، وإنما بكنوز الحضارة وإبداعات المبدعين من أبنائها وبناتها في شتى المجالات. وسيتذكر من بقي على قيد الحياة من أصدقائي الإنجليز حديثي معهم عن دولتنا القادمة بقوة.
إنشرها