لماذا ترحل العيون الى أمريكا؟

|
ليس الشرق الأوسط وحده، بل العالم برمته يصوب ناظريه نحو أمريكا، ينتظرنا حدث جلل، تأثيره عابر للحدود والقارات وقد يستشعر تبعاته أناس عاديون في أقاصي الدنيا، المشهد يتكرر كل أربعة أعوام، بيد أن وقوعه بعد نحو شهر ونصف الشهر من الآن صار من التأثير بمكان إلى درجة حبس الأنفاس لما سيأتي به من نتائج.
لا غرو لقد فقدت أمريكا بعض سطوتها ومكانتها كقوى عظمى دون منازع، لكن طالما استمرت هيمنتها على أسواق المال والمصارف والعملات، فلا مناص من تقبل هيمنتها والنحو صوب توجهاتها.
قد لا يعرف كثيرون معنى الحصار الذي تفرضه أمريكا على الدول والشركات حتى الأفراد. إن أراد امرؤ أن يخمن الأذى الذي يمكن لأمريكا أن تلحقه بالتلويح بقسوة بطشها وسيطرتها على التبادل المالي التجاري - عصب الحياة في عصرنا هذا - فليسأل أهل العراق وإيران وفنزويلا وسورية وغيرها من الدول، لكن يبدو أن الاهتمام بالانتخابات الرئاسية في أمريكا والمقرر إجراؤها في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر)، له هذه المرة أسبابه الخاصة غير التي ذكرناها.
أمريكا منقسمة على نفسها، وتعيش استقطابا كبيرا. تشدد وتشبث الفرقاء بالموقف والميل والرؤى لم يشهد البلد له مثيلا في العقود الماضية، وصارت آثاره محسوسة على مستوى الشارع، حيث تتصارع الأقطاب وتلتجئ إلى العنف أحيانا لتثبيت أقدامها وأحقيتها. هناك خشية وخوف كبيران من النتيجة، مهما كانت ومهما كان الفائز. الأحداث على الأرض والخطاب السائد يركزان على إلغاء الآخر وعدم قبول ما سيحصل عليه من الأصوات إن كانت المحصلة البقاء في البيت الأبيض أو الخروج منه. قد لا تخلو صحيفة أمريكية رئيسة من مواضيع وتقارير فيها كثير من التشاؤم من الوضع ومآل الصراع الداخلي.
وهناك كما أرى وبتواضع تقليل من شأن القاعدة الشعبية لرئيس البيت الأبيض دونالد ترمب لأن أغلب الاستطلاعات تجريها مراكز أبحاث لمصلحة جهات ليبرالية يسارية لرفع شأن منافسه جو بايدن المرشح الديمقراطي، وعلينا أن نتعلم من درس الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2016، حيث منح أغلب الاستطلاعات الفوز للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وفي النهاية فاز ترمب.
ربما لم يكن الوضع في الولايات المتحدة بهذا الحرج والانتخابات الرئاسية على الأبواب مثل ما هو عليه الآن. ومن هنا تتصاعد الأصوات وأغلبها آتية من سياسيين ودبلوماسيين سابقين مخضرمين محذرة ومنذرة من إمكانية اندلاع أعمال عنف على المستوى الوطني أيا كانت النتيجة.
الأحداث الأخيرة التي سببت اندلاع مظاهرات وأعمال شغب وعنف في أكثر من ولاية مرشحة للغليان والفوران، إن لم يخفض الطرفان من حدة خطابهما وتشبثهما بمواقف تتهم الآخر مسبقا بالتزوير والتحايل، والاستقطاب على أشده في المواقف والتشبث في استخدام الأطر الخطابية التي تعاكس وتعارض مواقف وتوجهات الطرف الآخر.
وهذه الظاهرة صارت جلية في أكثر من حدث، لكن لنأخذ كيلي ريتنهاوس المحسوب على المتزمتين من اليمين المتطرف المناصر لترمب. هذا الشخص ذو الـ 17 ربيعا أطلق النار من بندقيته الآلية وأردى اثنين من المتظاهرين قتلى وجرح آخرين، لدى اليمين وخطابه صار الشخص هذا بطلا وفي عيون اليسار والديمقراطيين مجرما.
هناك استعداد وجهوزية من حيث التعبئة لدى الطرفين للنزول إلى الشارع. والسلاح مشاع في أمريكا، لأن الحصول عليه يقترب في كثير من الأوجه من شراء أي بضاعة أخرى.
وكلنا شهدنا فوران التظاهر الذي عم أمريكا وتساقط مجسمات تمثل حقبة تاريخية عنصرية، لكنها لا تزال قائمة في كثير من الأوجه بعد مقتل أشخاص من داكني البشرة على يد ضباط شرطة من البشرة البيضاء.
وهناك توقعات أن تصعيدا في العنف ينتظر الثالث من نوفمبر في انتخابات صار الشك والخصام والتلاسن لازمة مرافقة لها. وهناك مؤشرات تنبئ أن المقبل من الأيام قد لا يكون حميدا، خصوصا في الولايات التي تعد أساسا ساحة قتال ومصيرية في مسيرة التصويت حيث يتصارع المرشحان وأنصارهما على الفوز بها. وتلقي جائحة كورونا بظلالها وسيكون لإدلاء الأصوات بالبريد شأن في هذه الانتخابات، ومن اليسر اللجوء إلى الشك في نزاهة الأصوات وتعدادها من أي طرف، لهذا، ففي حالة فوز أي من المنافسين، فإن قاعدتهما الانتخابية قد لا تركن إلى النتائج المعلنة ونزاهتها وتنزل إلى الشارع.
وقد يطرح أي من الخاسرين مسألة تدخل أطراف خارجية مثل روسيا أو الصين أو إيران للتأثير في النتيجة. العالم على أحر من الجمر لمعرفة سير الانتخابات الأمريكية ونتائجها، إلا أن الناس في أمريكا ذاتها تخشى عواقب هذه الانتخابات أيا كانت نتائجها.
إنشرها