العوائد الاقتصادية لتصحيح الأراضي والعقار

|
يجب التأكيد أن كل خطوة إلى الأمام، على مستوى تنظيم وإصلاح وتطوير أي قطاع اقتصادي، تحمل معها مكاسب وعوائد لمصلحة الاقتصاد الوطني، وإن حملت في الوقت ذاته بعض المغارم على أطراف محدودي العدد، الذين كانوا قد حصدوا في أوقات مضت مكاسب هائلة، جاءت على حساب مقدرات البلاد والعباد، وألحقت أضرارا جسيمة بكثير من قطاعات الاقتصاد وأغلب شرائح المجتمع على حد سواء، وحينما يخضع الجميع لمشارط الإصلاح والتقويم والمعالجة الجذرية، للوصول إلى تحقيق مستهدفات استراتيجية تخدم في عمومها طموحات الاقتصاد الوطني، وتلبي أيضا تطلعات الشريحة الأكبر من أفراد المجتمع، فهذا بكل تأكيد مشروع وطني يستحق تكامل جميع الجهود لأجل تحقيقه، وتحويله إلى حقيقة على أرض الواقع.
ضع تحت هذا المنظور المشار إليه أعلاه، جميع المشاريع التطويرية والإصلاحية التي بدأ العمل عليها في بلادنا منذ بدء تنفيذ برامج رؤية المملكة 2030، ومن ضمنها المشروع الإصلاحي المهم والعملاق لإصلاح وتطوير السوق العقارية المحلية، التي شهدت اهتماما رفيعا من الدولة - أيدها الله - وتمت ترجمته من خلال كثير من مسارات التطوير والإصلاح والمعالجة، كان من بينها مشروع إقرار وتنفيذ نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، بهدف معالجة الاختلالات والتشوهات التي أدت إلى حدوث التضخم الكبير وغير المبرر في أسعار الأراضي والعقارات، وما ترتب عليه من ارتفاع مطرد في تكاليف المعيشة بالنسبة لأفراد وأُسر المجتمع، إضافة إلى الارتفاع المطرد في تكاليف التشغيل والإنتاج بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص التي تمثل جوهر القطاع الإنتاجي في الاقتصاد الوطني.
إن العوائد الاقتصادية والاجتماعية لتصحيح الأسعار المتضخمة جدا للأراضي والعقارات، إضافة إلى تصحيح تكاليف إيجاراتها واستخداماتها، تتجاوز بمسافات بعيدة مجرد تحقق الأهداف الرئيسة التي لأجلها تم إقرار نظام الرسوم على الأراضي، وفقا لما تم تحديده بزيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب، وتوفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة، وأخيرا حماية المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية. ومع كل خطوة متقدمة على طريق تنفيذ واستكمال بقية المراحل التنفيذية للنظام، وتوسيع دائرة تطبيقها لتشمل أكبر عدد ممكن من المدن والمحافظات، فإضافة إلى ترجمة الأهداف الرئيسة للنظام على أرض الواقع، يمكن التأكيد أن من أهم وأكبر العوائد المرتقبة أيضا، أنه يحمل معه مؤشرات إيجابية ستنعكس على الأوضاع المعيشية لأفراد وأُسر المجتمع بالتحسن المطرد، سيتحقق لتلك الشرائح من المجتمع من خلال انخفاض تكلفة تملك الأرض أو المسكن، أو تكلفة إيجار المسكن، فحينما تنخفض تكلفة التملك أو الإيجار، وتنخفض معها الاستقطاعات الشهرية لكل من مستحقات سداد أقساط التمويل أو أقساط الإيجار السكني، فهذا يعني في جانبه الآخر ارتفاعا ملموسا على مستوى قدرتهم الاستهلاكية، وتحسنا معيشيا سيؤدي إلى زيادة فرص الادخار والاستثمار، وتحقيق المستوى المعيشي الأكثر استقرارا بالنسبة لهم، ويوفر لهم أسباب الحياة المثلى التي تهيئهم لأن يكونوا مساهمين فاعلين في الاقتصاد الوطني والتنمية الشاملة والمستدامة.
كما سيكون من تلك العوائد الاقتصادية العملاقة، أن المعالجة الجذرية لتشوهات السوق العقارية المحلية، ستسهم في إعادة توجيه الثروات والمدخرات داخل الاقتصاد، لتتحول من مجرد تكديسها في الأراضي دون أي استخدام أو انتفاع أو تطوير، وتوظيف جزء آخر منها في مضاربات محمومة على تلك الأصول، وكل هذا سعيا لجني مكاسب مالية هائلة، وقع أغلبها من تجربتنا السابقة طوال العقود الماضية على حساب مقدرات الاقتصاد الوطني، وألحقت كثيرا من الأضرار الجسيمة بالتنمية الشاملة للبلاد والمجتمع، لتطوى هذه الصفحة من عمر الاقتصاد والسوق العقارية، وتتجه وفقا للمنطق القويم نحو توظيفها في اقتناص الفرص الاستثمارية المتاحة في بيئة الأعمال المحلية، الأمر الذي سيسهم بدوره في زيادة تدفق الاستثمارات على القطاع الخاص، وزيادة فرص العمل الكريمة والملائمة أمام مئات الآلاف من الباحثين عنها من المواطنين والمواطنات، وهذه العوائد تعد الأهم والأكبر التي ينتظر تحققها - بمشيئة الله تعالى -، ليرتقي القطاع الخاص لدينا إلى أفضل مستوى مأمول له، وتمكينه من ثم في المساهمة بصورة حقيقية في دفع النمو وتعزيز الاستقرار الاقتصاديين بعيدا عن الاعتماد المفرط على النفط، وتتصاعد على أثره قدرة منشآت القطاع عاما بعد عام، لتكون الأكثر توظيفا للموارد البشرية الوطنية، والمساهمة بشكل فاعل ومؤثر في خفض معدل البطالة بين المواطنين والمواطنات.
ختاما: لن تقف الفوائد الاقتصادية بالنسبة للقطاع الخاص عند ما تقدم فحسب، إذ إن الانخفاض المتوقع في الأسعار المتضخمة للأراضي والعقار والإيجارات، سيحمل معه انخفاضا في التكاليف التشغيلية التي تتحملها منشآت القطاع الخاص، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى زيادة قدرة تلك المنشآت على التوسع في التوظيف، وزيادة قدرتها على النمو والاستقرار وجاذبيتها الاستثمارية أمام المدخرات الباحثة عن فرص استثمارية مجدية في الأجل الطويل، مع الإشارة إلى أن التحسن المأمول والمرتقب حدوثه في جانب المستويات المعيشية للأفراد والأسر المشار إليه أعلاه، سيسهم بدوره في ارتفاع الطلب الاستهلاكي المحلي على سلع ومنتجات وخدمات تلك المنشآت. وفي المجمل تحقق كل هذا كما هو مأمول سيسهم - بمشيئة الله تعالى - في تسهيل وتسريع وصول القطاع الخاص إلى الهدف الاستراتيجي المنشود لرؤية المملكة 2030، المتمثل في أن ترتفع مساهمته في الاقتصاد الوطني إلى 60 في المائة بحلول نهاية الرؤية، الذي يتوج تحققه بدوره أحد أهم وأبرز نجاحات رؤية قيادتنا الرشيدة وأهل هذه البلاد الغالية.
إنشرها