هل ينجح اليوان الرقمي؟

|


لم يكن سعي الحكومة الصينية إلى إصدار عملتها الرقمية الخاصة الأول من نوعه، بل هناك حكومات حول العالم تفكر منذ أعوام في هذا الموضوع، الذي لا تزال الشكوك تحوم حوله على صعيد العملات الرقمية التي لا تسندها حكومات. مع ضرورة الإشارة إلى أن العملات الإلكترونية الحالية التي يصل عددها إلى أكثر من 50 عملة، لا تزال غير خاضعة للرقابة المالية الدولية، أو في أفضل الأحوال تخضع لبعض الرقابة في هذه الدولة أو تلك، إلا أنها لم ترق بعد إلى مستوى الرقابة المالية على العملات الوطنية. لكن دون شك، هناك تسارع لدى كثير من الدول في مسار اعتماد عملاتها الرقمية الخاصة، أو منح العملات الراهنة غطاء رقابيا يقلل في النهاية من حجم المخاطر التي يمكن أن تتسبب فيها، ولا سيما الارتفاعات الفلكية والتراجعات الكبيرة لقيمها المختلفة.

الصين تدخل عمليا عالم العملة الرقمية الخاصة بها في محاولة لمواكبة اقتصاد يتحول بسرعة إلى الرقمنة، وهي تخضع حاليا للاختبار على امتداد البر الصيني، بل في عدد من المناطق في البلاد التي تعد الأكثر تطورا من غيرها، وتحديدا في شمال البلاد المنطقة التي تشمل العاصمة بكين، إضافة إلى مدينة شنغهاي. الخطوة الصينية المهمة هذه، تحمل في طياتها إشارات عديدة، في مقدمتها سعي القيادة الصينية العلني إلى تحدي الدولار الأمريكي في السباق الراهن على قيادة الاقتصاد العالمي. وتأتي الخطوة المشار إليها أيضا، في ظل وصول العلاقات بين بكين وواشنطن إلى أسوأ مراحلها، خصوصا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أنه يفكر عمليا في فصل اقتصاد بلاده نهائيا عن الاقتصاد الصيني، حتى أنه هدد الشركات الأمريكية من أي تجاوزات في هذا المجال، إذا ما تمت بالفعل عملية الفصل هذه.

تتفق الجهات الدولية المختصة، أن العملات الرقمية ستشكل بصورة أو بأخرى اقتصاد المستقبل، خصوصا مع التطور المذهل للتكنولوجيا بشكل عام، وللتكنولوجيا المالية بشكل خاص، ولا سيما على ساحة بعض الدول الناشئة، وعلى رأسها الصين نفسها. الهدف الأهم في مسار اليوان الرقمي يبقى دائما، تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية في الداخل والخارج، إلى جانب طبعا تحدي العملة الأمريكية التي تعاني منذ فترة ضغوطا كبيرة، بسبب الاضطرابات الاقتصادية العالمية الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد، فضلا عن عدم وضوح الرؤية على صعيد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي بدأت معاركها، مع تمتع الصين ببعض النمو الذي بات غائبا عن أغلبية دول العالم. إن عملة رقمية صينية في هذا الوقت بالذات، قد تحقق قفزات نوعية في المخططات الاقتصادية للقيادة الصينية في العقد الجاري. ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن بكين تسعى إلى إطلاق اليوان الرقمي الآن، بهدف الوصول إلى مرحلة التمكين في هذا المجال، قبل بدء دورة الألعاب الأولمبية عام 2022، فمثل هذا الحدث العالمي الكبير، سيسهم حتما في الترويج للعملة الرقمية ويجعلها حاضرة بقوة على الساحة العالمية.

فضلا عن أن تجربة هذه العملة تعد جزءا من حزمة واسعة من المبادرات في ميدان تحفيز الابتكار وتشجيع الانفتاح في قطاع الخدمات، ويبدو أن الصين ستستفيد من الحراك المتعاظم فيها على صعيد الدفع الإلكتروني، فقد شهدت البلاد ظهور منصات عديدة وقوية توفر هذا النوع من الخدمات المالية، بمعنى آخر، أن المحافظ المالية الرقمية حاضرة بالفعل لتكون جزءا أصيلا من الإطلاق المزمع لليوان الرقمي. كل شيء بات مرهونا الآن، بالتجربة التي ستقوم بها الصين في هذا الميدان الذي صار محورا رئيسا للحراك الاقتصادي بشكل عام على الساحة الدولية.

إنشرها