لن تضع الحرب التجارية أوزارها

|


يبدو واضحا أن الاتفاق التجاري الأولي، أو الجزئي، الذي وقعته الولايات المتحدة مع الصين نهاية العام الماضي، لم يؤثر في التقليل من التوتر الاقتصادي ـ السياسي. ورغم أن مسؤولي الطرفين يبدون متمسكين بهذا الاتفاق، غير أن الواقع على الأرض مختلف تماما، حتى طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فكرة فصل الاقتصاد الأمريكي عن الصيني إلى الأبد، في توجه أحدث مفاجأة في الأوساط الاقتصادية على مستوى العالم.

فالإدارة الأمريكية، التي تمارس سياساتها الاقتصادية بوضوح شديد مع الصين وغيرها، تقول علانية، إنها لا تثق بالطرف الصيني، وتعزز هذا الاعتقاد بصورة كبيرة، في أعقاب توجيه واشنطن لبكين اتهامات بأن الأخيرة أخفت تفشي وباء كورونا المستجد في الصين لمدة كانت كافية كي يتحرك العالم من أجل مواجهة أفضل لهذا الوباء. وبصرف النظر عن الاتهامات، والاتهامات المتبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم، فالفكرة التي طرحها ترمب، الذي يخوض معركة انتخابية حساسة في الوقت الراهن، نادرة في تاريخ العلاقات الدولية، باستثناء المقاطعة الشاملة الطبيعية بين الدول الناجمة عن حروب بينها. أما في زمن السلم والعلاقات الدبلوماسية الكاملة، فلم يحدث فصل نهائي بهذا الشكل المطروح حاليا.

ماذا يعني فصل اقتصاد كبير عن اقتصاد آخر كبير؟ لا شك أن كلا الاقتصادين يتمتع بالقوة الرافدة لأي انعكاسات سلبية على مثل هذه الخطوة، علما بأنه من ناحية واقعية يبدو الأمر ليس سهلا على صعيد الفصل، فيما لو تم بالفعل.

لكن ستكون آثاره سلبية على الساحتين الاقتصادية الدولية، فالاقتصاد العالمي متشابك ومتصل إلى حد كبير للغاية، وأي فصل على هذا الشكل، سيزيد من الاضطرابات التي يعانيها أصلا هذا الاقتصاد. وهناك تداخل كبير بين الاقتصادين الأمريكي والصيني، بوجود آلاف الشركات الصناعية والتجارية المشتركة بينهما، فضلا عن الحيازات الصينية المرتفعة جدا في السندات الأمريكية، واستثمارات لشركات أمريكية من كل الأحجام في البر الصيني. دون أن ننسى، أن شركات مصنعة أمريكية تستفيد كثيرا من الصادرات الصينية، بحسب التصريحات المتكررة على صعيد ضبط حجم الإنفاق التصنيعي. وفي حال تم تنفيذ فكرة ترمب بفصل الاقتصادين، فسيكون هناك حتما اصطفافات عالمية مع هذا الطرف أو ذاك، ما يرفع مستوى الإرباك الاقتصادي دوليا أيضا.

ويرى خبراء، أن الخسائر ستصيب الطرفين، خصوصا على الساحة التي تربط نشاطات اقتصادية وإنتاجية مشتركة بصورة أو بأخرى، فضلا عن تكاليف الفصل الاقتصادي نفسه، التي تقدر بالتريليونات، وفق مركز التمويل الدولي، وهذا الأخير قدر أخيرا تكاليف انتقال الشركات الأمريكية من الصين بأكثر من خمسة تريليونات دولار على الأقل. يبدو واضحا، أن الرئيس الأمريكي متأكد من أن بلاده لن تخسر أموالا في حال تم تنفيذ فكرة الفصل الاقتصادي مع الصين، وعزا ذلك، إلى أن الولايات المتحدة تخسر بالفعل حاليا الأموال نتيجة أنشطة الأعمال مع بكين.

فواشنطن، تحمّل العاصمة الصينية منذ أكثر من ثلاثة أعوام، مسؤولية الخسارة التي تتعرض لها نتيجة السياسات الاقتصادية الصينية المتبعة، بما في ذلك الإغراق، وخفض قيمة اليوان الصيني، وسرقة التكنولوجيا، وعدم احترام قوانين الملكية الفكرية، وغير ذلك من أشكال الاتهامات الأخرى. لكن كل هذه الاتهامات قابلة، من وجهة نظر المجتمع الدولي، للنقاش، فضلا عن وجود مسارات لاتفاقات تضمن العدالة الاقتصادية لكلا الطرفين في آن معا. وفي النهاية، فإن فكرة فصل اقتصاد أمريكا عن الصين، تثير اهتمام العالم كله. فالطرفان يتربعان على قائمة الاقتصادات الأكبر على وجه الأرض. وإن فكرة الفصل والتحرك تجاهها، بكل تأكيد ستؤثر بقوة في مؤشرات الاقتصاد العالمي ونموه.

إنشرها