هل ستجلب طائرة النقود غلاء؟

|
تجنح دول العالم إلى ضخ مزيد من النقود عند حصول نمو اقتصادي ضعيف أو بالسالب. والعلاقة بين نمو الاقتصاد ونمو النقود ومعدلات التضخم عادة طردية. وتبعا تسببت أزمة كورونا في ضخ كم هائل من النقود في دول العالم. وتفاهمت "مجموعة العشرين" في 26 آذار (مارس) الماضي بقيادة المملكة، على ضخ خمسة تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي لمواجهة آثار جائحة كورونا. وللتوضيح الضخ ليس الأداة الوحيدة. وهنا سؤالان: كيف يحدث الضخ؟ وهل يجلب هذا التضخم غلاء؟ أي معدلات تضخم مرتفعة. هناك أكثر من وسيلة للضخ اعتمادا على ظروف كل دولة. والأشهر في الدول الغربية وسيلتان. الأولى ما تعرف باسم نقود مروحية helicopter money. الفكرة من وضع ميلتون فريدمان أستاذ الاقتصاد الأمريكي الشهير قبل نحو 50 عاما. وطبق هذا النوع من الضخ مرات في الماضي. ويعني التوسع في المالية العامة من خلال زيادة الإنفاق و/أو خفض الضرائب. ومصدر تمويل هذا التوسع زيادة كمية النقود عبر قيام السلطات المعنية بضخ كم هائل من النقود للعموم، كما لو أن المال يتساقط من طائرة مروحية هيليكوبتر.
وهناك وسيلة ضخ أعم وأكثر انتشارا تسمى التيسير الكمي. وتعني زيادة عرض النقود من خلال قيام البنوك المركزية بصناعة نقود - طباعتها بالتعبير الدارج - بغرض شراء أصول أو سندات مالية.
وأسهمت فكرة التيسير الكمي في ظهور النقود الورقية والبنوك المركزية ووضع أساس النظام المالي العالمي. كيف؟ اقترضت الحكومة البريطانية 1.2 مليون جنيه قبل نحو 300 عام، ولم تسدده حتى الآن. البديل أنها أعطت المقرضين حق طباعة وثيقة مالية قابلة للتداول بين الناس مقابل القرض.
هل سيجلب هذا التيسير غلاء؟
العوامل المؤثرة في الأسعار كثيرة، وتتوزع بين تأثيرين متعاكسين: عوامل ترفع الأسعار، وعوامل تخفض الأسعار. كيف تفهم وتفسر هذه العوامل؟ يركز أغلب الناس على عوامل، متجاهلين ما عداها. لماذا؟ أغلب النفوس تقع تحت تأثير الهوى في صورة المصلحة الخاصة والهلع والجزع ورمي العيب في الآخر وقلة الصبر على ما لم تحط به النفوس علما. وتؤيد هذا الكلام عدة نصوص شرعية، أذكر منها قوله تعالى "إن الانسان خلق هلوعا". ويحاول علم الاقتصاد وضع أدوات ومناهج بحث تساعد على تقليل الهوى وزيادة العلمية والموضوعية في تفسير الأحداث الاقتصادية.
التضخم كما ينشأ نتيجة عوامل اقتصادية محضة يحدث أيضا نتيجة عوامل أساس نشأتها غير اقتصادي، لكنها تؤثر في العوامل الاقتصادية الصانعة للتضخم.
الضعف الاقتصادي الحالي لم يحدث بسبب القطاع المالي، كأزمة 2008، بل بسبب التراجع والإغلاق الاقتصادي باعتباره وسيلة فعالة لمكافحة انتشار الفيروس.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه ضعف ذاتي أي متعمد مسبقا. هو خيار ضرره أقل من ضرر عدم الأخذ به. وقد شبه بعض كبار الاقتصاديين هذا الضعف بالغيبوبة أو ضعف الحركة الجسدي بسبب علاج طبي.
الضعف وما معه من استمرار خفض سعر الفائدة تبعه نزول نسبي في قيمة الدولار تجاه عملات. هذا النزول أعطى ميزة تنافسية لأمريكا.
للتيسير الكمي ميزات وعيوب. لكنه نظر إلى أن ميزاته تفوق عيوبه. ولا أنوي الدخول في تفاصيل خارج موضوع التضخم، فالحيز لا يكفي.
من النقاط الأساسية التي تثار موضوع العلاقة بين التيسير الكمي والتضخم. هل نحن بصدد موجة تضخم؟ مصدر السؤال وجود زيادة هائلة في ضخ النقود عالميا، ما يعني زيادة كبيرة في العرض النقدي. والعلاقة طردية تناغمية بين العرض النقدي ومعدلات التضخم.
ما صلة ما سبق ببلادنا؟ بلادنا تعتمد على الاستيراد كثيرا. وهذا يعني أن التضخم العالمي لو حدث فسينتقل إلينا تبعا. كون العلاقة طردية تناغمية بين كميات النقود المتاحة ومستويات الأسعار تعبير عام. وكما قيل، الشيطان يكمن في التفاصيل. الدول تتفاوت كثيرا في ظروفها وأحوالها الاقتصادية.
طبقت دول كثيرة التيسير الكمي. وطبقته الدول ذات الاقتصادات المتطورة إثر الأزمة المالية العالمية عام 2008. وأسهم التطبيق في تخفيف حدة الأزمة. لكنه جلب موجة ارتفاع أسعار. قارن كثيرون التيسير الكمي في هذه الأزمة بالتيسيرات السابقة وما جلبته من تضخم. هذا قياس مع الفارق بلغة علماء المنطق وأصول الفقه. الأزمة الحالية تختلف جوهريا عن تلك الأزمات من جهة أن الأزمة الحاضرة أنتجت هبوطا حادا في الاقتصادات. وهناك قاسم فريد لهذا الهبوط. قاعدة الإنتاج للاقتصاد خفضت عمدا تبعا لسياسات مكافحة انتشار الفيروس. ومع الهبوط زاد عدد العاطلين وانخفضت دخول كثرة من الناس والمنشآت، بصورة لم نشهدها منذ قرن تقريبا.
الكلام السابق يعني أن انخفاض الطلب تجاوز قوة المؤثرات في العرض. انخفاض الطلب ملموس حتى مع رفع قيود كثيرة، لكن الفيروس ما زال الخوف منه قائما. وهو خوف يخفض الطلب على سلع وخدمات كثيرة.
جزء كبير من التيسير الكمي في الأزمة الراهنة ذهب للتعويض عن خسائر من جراء الفيروس وسياسات مكافحته، وليس لزيادة الطاقة الإنتاجية في الاقتصاد. وأوضح مثال استخدامه لدعم عاطلين وشبه عاطلين ومتضررين آخرين. وهذا الدعم ليس قروضا. أما في الأزمات السابقة فإنه لم يستخدم لهذا النوع. بل تركزت مساهمته على زيادة القروض زيادة ملموسة.
هناك جانب آخر لأزمة كورونا. تبعات الحظر والإغلاق غيرت طبيعة صرف الناس. بعض السلع وأوجه الإنفاق زادت أهميتها وزاد الصرف عليها. في المقابل، قلت أهمية سلع وخدمات وأوجه إنفاق، ما يعني أنه قل الإنفاق عليها. وهذا سيدفع إلى مفاهيم جديدة في تفسير التضخم وطريقة قياسه.
هل ما سبق يعني أننا بمأمن من التضخم؟
لا، وسبق أن كتبت مقالا عن هذا بعنوان "هل يشهد العالم انكماشا تضخميا؟"، نشر في 8 حزيران (يونيو) من هذا العام. وفي المقال ذكرت أنه معروف أن الخوف من انتشار المرض ما زال موجودا. وهذا مؤثر في سلوك نسبة كبيرة من المستهلكين عبر خفض الإنفاق. ثم ماذا؟ عند ظهور أخبار مؤكدة لتطوير لقاح وتوجه نحو فتح كامل للنشاط الاقتصادي، فمن المتوقع حصول اندفاع في الاستهلاك بعد تراجعه زمنا. هذه طبيعة البشر. وهو اندفاع يجلب غلاء، لأن تعافي العرض وعودة النشاط الاقتصادي كما كان قبل الوباء يتطلبان وقتا، لكنه اندفاع وغلاء محدودان. والسبب أن ضعف العرض يعني أن دخول كثيرين ما زالت متضررة. ومن ثم سيكون الاندفاع في الطلب ليس بذاك القوة. وقد تتبنى دول زيادة رسوم وضرائب فترة مؤقتة لتخفيف الاندفاع الاستهلاكي.
إنشرها