FINANCIAL TIMES

دبلوماسية الكمامات تفتح للصينيين أبواب حديقة أمريكا الخلفية

معدات طبية صينية يجري تفريغها في مطار مكسيو سيتي الدولي.

أمريكا اللاتينية، موطن ما يقارب نصف حالات الإصابة الجديدة بفيروس كورونا في العالم، بعيدة كل البعد عن الفوز بالحرب ضد كوفيد - 19. لكن هناك منذ الآن منتصر واحد في المنطقة: الصين.
تحركت بكين بسرعة في أمريكا اللاتينية للتبرع بالمعدات والإمدادات الطبية، وتقديم المساعدة الفنية والتعبير عن التضامن. سفراؤها أغرقوا وسائل التواصل الاجتماعي برسائل عن التعاون والتضامن الصيني، لتتفوق على الولايات المتحدة، القوة التقليدية في المنطقة.
توج وانج ويي، وزير الخارجية الصيني، جهود بكين بعقد مؤتمر فيديو افتراضي لنظرائه في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي الأسبوع الماضي، وقدم قروضا بقيمة مليار دولار للمساعدة على شراء لقاح صيني الصنع بمجرد أن يصبح متاحا، ودعا إلى توثيق العلاقات مع المنطقة، التي هي مورد رئيس للأغذية والمعادن، في مرحلة ما بعد الوباء.
قالت مارجريت مايرز، مديرة برنامج أمريكا اللاتينية وآسيا في حوار الدول الأمريكية في واشنطن: "من الرائع جدا ما يحدث في حجم النشاط. شهدنا أكثر من 250 مناسبة من الالتزامات بشحن المعدات والتبرعات والمبيعات عبر منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي بالكامل".
الدافع جاء مباشرة من القمة في بكين. اتصل الرئيس تشي جينبينج بستة قادة على الأقل من أمريكا اللاتينية منذ تفشي الفيروس في المنطقة لمناقشة طرق المساعدة.
انضم القطاع الخاص في الصين. نشر جاك ما، مؤسس مجموعة التجارة الإلكترونية علي بابا، تغريدة عن تبرعه بمليوني كمامة، و400 ألف مجموعة أدوات فحص، و104 أجهزة تنفس اصطناعي إلى 24 دولة في أمريكا اللاتينية. كما تقدم مجموعة معدات الاتصالات هواوي، التي تخوض معركة عالمية مع الولايات المتحدة حول نشر تكنولوجيا شبكة الجيل الخامس للهاتف الخليوي، قدرات ذكاء اصطناعي للمساعدة على تشخيص حالات الإصابة بفيروس كورونا في المنطقة.
في حين أن "دبلوماسية الكمامات" في بكين هي جهد عالمي، إلا أن الخبراء يقولون إن قوة حملتها في أمريكا اللاتينية لها أهمية خاصة بسبب مكانة المنطقة باعتبارها مجال نفوذ أمريكي تقليدي وحقيقة أنها تضررت بشدة من الفيروس.
في وقت مبكر من الأزمة، مع تصاعد عدد الإصابات في أمريكا اللاتينية، وتزاحم الحكومات لطلب المساعدة، تصدرت الولايات المتحدة العناوين الرئيسة لكل الأسباب الخاطئة: تم احتجاز شحنات أجهزة التنفس الاصطناعي والإمدادات الطبية التي تمس الحاجة إليها والمتجهة إلى المنطقة في موانئ الولايات المتحدة، وفي بعض الحالات تم تحويلها للاستخدام المحلي، كما قال مسؤولون.
عندما أرسلت الولايات المتحدة المساعدة، لم تأت على شكل مساعدة طبية لكن بأسطول من السفن الحربية لقمع تهريب المخدرات.
قال خوسيه فيرنانديز، الذي كان مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الاقتصادية في إدارة أوباما، عن الاستجابة الأمريكية: "تركنا الباب مفتوحا للصينيين. كانت الصين تشحن معدات الوقاية الشخصية في الوقت الذي كنا نخزنها في الولايات المتحدة ونضع قيودا على التصدير".
أثناء المكافحة للسيطرة على الوباء الذي اجتاح الأحياء الفقيرة الحضرية مترامية الأطراف في المنطقة وأغرق مستشفياتها غير الملائمة بطوفان من المرضى، كان المسؤولون في أمريكا اللاتينية سعداء للغاية لتلقي المساعدة الصينية.
"شكرا للصين!" كما غرد مارسيلو إبرارد، وزير الخارجية المكسيكي، بعد هبوط حمولة طائرة من المعدات في بلاده في نهاية آذار (مارس). وصلت المساعدة الصينية حتى إلى باتاجونيا البعيدة، حيث هبطت إمدادات معدات الحماية وأدوات فحص فيروس كورونا في مقاطعة سانتا كروز الجنوبية النائية، بفضل مجموعة أرجنتينية - صينية تبني اثنين من السدود العملاقة لتوليد الطاقة الكهرومائية.
في المقابل، سرعان ما شعر السياسيون في أمريكا اللاتينية الذين انتقدوا الصين بغضب بكين. الدبلوماسيون الصينيون في المنطقة لم يألوا جهدا في هجماتهم على الذين تحدوا الرواية الرسمية.
تعرض نجل الرئيس البرازيلي جائير بولسونارو، إدواردو، وهو عضو مؤثر في الكونجرس، لانتقادات بعد الإشارة إلى كوفيد - 19 بأنه "الفيروس الصيني". في مقالة صحافية عدوانية في نيسان (أبريل) موجهة شخصيا لإدواردو، اتهمه القنصل العام الصيني في ريو دي جانيرو بأنه تعرض لغسل دماغ من قِبل الأمريكيين.
واحدة من الدول القليلة جدا في أمريكا اللاتينية التي لم تتلق المساعدة الطبية الصينية هذا العام كانت باراجواي، الحليف الدبلوماسي الوحيد لتايوان في أمريكا الجنوبية.
بمجرد انحسار الفيروس، تأمل بكين أن "دبلوماسية الكمامات" ستترجم إلى زيادة في التجارة والاستثمار. الصين التي تعد أكبر شريك تجاري للبرازيل وتشيلي وبيرو وأوروجواي، من المرجح أن تضيف مزيدا من الدول مثل الأرجنتين إلى تلك القائمة هذا العام مع انتعاش اقتصادها. التناقض بين الانتعاش الاقتصادي السريع في الصين والفوضى التي لا تزال تجتاح معظم الولايات المتحدة لم يغب عن بال الأمريكيين اللاتينيين.
أكثر من عشر دول من أمريكا اللاتينية سجلت في مبادرة الحزام والطريق للبنية التحتية في بكين، وقال وانج إن الصين "تبحث عن فرص في الأزمة الحالية لتعزيز التعاون في مبادرة الحزام والطريق". ارتفع إجمالي التجارة بين الصين وأمريكا اللاتينية من 17 مليار دولار في 2002 إلى ما يقارب 315 مليار دولار في 2019، وذلك وفقا للكونجرس الأمريكي.
اقتبست وزارة الخارجية الصينية عن وانج قوله: "ستواصل الصين تعميق التعاون في البنية التحتية والطاقة والزراعة والمجالات التقليدية الأخرى. كما تتطلع إلى التفرع إلى الصحة العامة والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية الجديدة الأخرى، وبناء طريق الحرير الصحي، وطريق الحرير الرقمي، بين الصين وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي".
دعم الصين لأمريكا اللاتينية في الوباء يجلب أيضا مكاسب دبلوماسية. عندما ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قانون بكين الشامل للأمن القومي المفروض على هونج كونج، تبنت كوبا قرارا يدعم القانون الذي حظي بتأييد 53 صوتا، بما في ذلك أصوات فنزويلا ونيكاراجوا. القرار من المملكة المتحدة الذي يهاجم حملة القمع الصينية حصل على 27 صوتا فقط. كانت بليز، الصغيرة، الدولة الوحيد في أمريكا اللاتينية التي دعمت الاقتراح البريطاني.
لخص فيرنانديز الحملة الدبلوماسية الصينية وسط الوباء على النحو التالي: "قبل عشرة أعوام، لم نكن نعتقد أنها ستمتد على هذا النحو. لكن نقل النقاش بعيدا عن أصول الفيروس إلى الحديث عن كيفية توفير الأدوية لجدتك: هذا بيان قوي".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES