العقل العربي بين الحلم والحقيقة

|
طرح الدكتور طلال أبو غزالة رئيس المجمع العربي للمحاسبين القانونيين قضية عروبية من الوزن الثقيل، حينما قال في مقابلات تلفزيونية متلاحقة، إن العصر الاصطناعي يفتح الباب أمام الذكاء العربي والعقل العربي لبلوغ منصات ريادة العالم.
والحقيقة أن التصريح دغدغ مشاعر القوميين العرب، ولكن ــ من الواضح ــ أن الدكتور أبو غزالة لم يقدم مشروعا علميا متكاملا يعطي للعرب ــ بشكل موضوعي ــ فرصة ريادة العالم، وإنما جاء كلامه في معرض أحاديث إعلامية متفرقة ومتنوعة عن مستقبل العرب بعد جائحة كورونا، كذلك طرح فكرة البزوغ العربي في ثنايا حديثه عن الخلافات الحادة بين الولايات المتحدة والصين، التي توقع لها أن تنتهي في أكتوبر 2020 بحرب شاملة ضروس هدفها عرقلة التقدم الاقتصادي الصيني الهادف إلى إزاحة الولايات المتحدة عن كرسي زعامة العالم.
جاء في فحوى أطروحة أبو غزالة قوله: إننا كعرب يجب أن نشعر بالتغيير والانتقال إلى مرحلة النهضة العربية التي أعدها فترة انتقالية لن تزيد على عامين، بحيث يرتب العرب خلالها جميع أمور التغيير لبلوغ بداية الريادة، وقبل ذلك لا بد من أن تتحول الحكومات العربية إلى النظام الحكومي المعترف به دوليا. وأوضح أن النظام الحكومي المعترف به دوليا يجب أن يتسم بالشفافية، والنزاهة، والمساءلة، وهذا من شأنه أن يحل جانبا كبيرا من مشكلات الموازنة العامة في الدول العربية، لأن الدول الكبرى تسقط حينما يزيد عجز الموازنة والدين العام على الدخل القومي، ووفقا لذلك فإن الدكتور أبو غزالة يعد دول أوروبا والولايات المتحدة دولا مفلسة جزئيا، لأنه ــ طبقا للمعايير الدولية ــ فإن عجوزات الموازنة في هذه الدول تجاوزت 60 في المائة من الدخل القومي.
ويحاول أبو غزالة تسويق مشروعه العروبي فيقول: إذا استعرضنا الأوضاع المالية في دول أوروبا وفي الولايات المتحدة نلاحظ أن جميع دول أوروبا وكذلك الولايات المتحدة تجاوزت هذه المعدلات بأضعاف مضاعفة، وهذا يعني أنها جزئيا دولا مفلسة، ولا تستطيع توفير الحياة الكريمة، والخدمات الضرورية لمواطنيها بمستوى الرفاهية نفسها التي كانت عليها قبل جائحة كورونا، بل لا تستطيع أن تبني جيشا باسلا ومدججا بالسلاح يستطيع الدفاع عن حمى الأوطان.
ويرى أن الدول العربية من الدول الصاعدة التي تتزايد فيها أعداد السكان، وإذا تزايدت معدلات السكان، فإن الأسواق تتسع والإنتاج يتضاعف، وتزدهر التجارة، وهناك تصريحات لصندوق النقد الدولي يؤكد فيها أن الدول المكتظة بالسكان ستكثر فيها الأسواق، ويتضاعف الإنتاج، وتزيد معدلات الاستهلاك، ويتضاعف الطلب، وتزدهر الحياة، وبالتالي ستكون اقتصادات هذه الدول أقوى من دول أوروبا التي يتناقص فيها عدد السكان، وتنكمش الأسواق، ويتراجع الإنتاج والاستهلاك، وتنخفض أرقام الاقتصاد.
وأوضح أن مشروع نظرية الدكتور أبو غزالة تقوم على أساس تراجع في مفاصل الاقتصاد الغربي، يقابله تقدم في مفاصل الاقتصادات العربية، وشخصيا لا أرى أن هناك رابطا مفصليا بين الاقتصادات الغربية، والاقتصادات العربية، فالاقتصادات الغربية ترتبط بالسوق الأوروبية المشتركة أولا أكثر مما ترتبط بالأسواق العربية.
وطبقا لأطروحته فإن العقل العربي الموجود في الغرب حقق إنجازات مذهلة في مجالات التحول الرقمي، والعلماء العرب جاهزون لاستغلال الذكاء الاصطناعي لتحقيق إنجازات تضعهم في مقدمة دول العالم، مؤكدا أن الريادة في العالم ستكون مرهونة لمن يملك التفوق في مجالات تكنولوجيا المعلومات، وثورة تكنولوجيا المعلومات تتيح أمام العرب الآن ــ أكثر من أي وقت مضى ــ فرص العودة إلى منصات ريادة العالم. والواقع لا أدري كيف نمرر هذه المقولة دون أن نقول، إن الدول العربية متأخرة نسبيا مقارنة بالغرب فيما يتعلق بالتحول الرقمي.
وفضلا عن ذلك مضى يطالب العرب، لبلوغ منصات الريادة، بالتوقف عن القروض والتوجه نحو الاستثمار المشترك بين الدول العربية، وعزف على معزوفة أن المال العربي يجب أن يستثمر في البلاد العربية وليس خارجها، ومع الأسف لم يطالب الدكتور أبو غزالة أشقاءه العرب بضرورة تحسين أجواء ومناخات الاستثمار، فما زالت بعض الأنظمة العربية تعاني ضعف هياكل الاستثمار التي تعد المعرقل الحقيقي لانسياب محافظ الاستثمار في الدول العربية.
كذلك استخدم التعليم كعامل من عوامل وصول العرب إلى منصات الريادة، وقال إن تنامي التعليم الرقمي سيمسح المؤسسات التعليمية التقليدية، وإن 90 في المائة من الجامعات الأمريكية ستلغي الصفوف والكامبس، وضرب مثالا بالنرويج، وقال إن النرويج قررت أن التعليم الرقمي سيكون متاحا لكل إنسان في الدنيا، وأمام شباب العالم فرصة الدراسة عن بعد والتخرج من الجامعات النرويجية مجانا، وإن هذا التطور في التعليم عن بعد سيقضي على البطالة في العالم، وطالب العرب بضرورة نشر التعليم الرقمي وعدم الاعتماد على التعليم التقليدي.
وفي ضوء ما سبق فإن مشروع نظرية أبو غزالة (إذا جاز لنا أن نطلق عليه مصطلح نظرية)، هو مجرد مشاعر قومية متدفقة تبحث عن إطارها الأكاديمي بقناعات علمية رصينة، حتى تتخلص من مشاعرها الإنسانية والمعنوية وتبلغ إطارها العلمي المقبول بعيدا عن الأماني والأحلام.
إنشرها