هل أفلحت السويد أم أخفقت في معركتها لاحتواء الجائحة؟

|
العالم يئن من وطأة وباء لم يترك معقلا إلا اقتحمه ولم يبق شعبا إلا أدمعه، نقرأ عن أناس وكأن الأمر لا يعنيهم أو هم في منأى عنه.
من النادر أن تلحظ مسؤولا في العالم والابتسامة تعلو وجهه عند حديثه عن الجائحة. الكل تقريبا مكفهر الوجه بعدما ضاقت بهم الحيل في كيفية التعامل مع هذا الصغير غير المرئي الذي أتانا من حيث لا ندري، وأجبرنا على تنكيس أعلامنا ورمي أسلحتنا.
بيد أن الأمر يبدو مختلفا والنظرة إلى الجائحة متباينة في بلد واحد دون دول العالم التي يربو عددها على 190 كيانا.
السويد هي البلد الوحيد في العالم الذي لم يخش الجائحة، ورفض ولا يزال تطبيق الإجراءات الاحترازية القاسية السارية في الدول الأخرى، التي تقع في صلب توصيات منظمة الصحة العالمية.
وبعد نحو ستة أشهر ووفاة أكثر من خمسة آلاف و700 شخص من جراء الوباء وإصابة أكثر من 81 ألفا، يرى المسؤولون في هذا البلد أن الأمور بخير.
كيف ذلك؟ هذا هو السؤال الذي حير ويحير كثيرين في العالم.
قد لا يدرك الغريب عن السويد كنه الحياة في هذا البلد وطريقة تصرف الناس، وخشية الحكومات من المساس بالحرية الفردية وحقوق المواطنين، أو التهاون في تطبيق القانون.
وعندما أقول الغريب، فإن المصطلح لا يشير إلى دول قاصية عن السويد. حتى الدول في محيطها مثل النرويج التي انفصلت عنها قبل نحو قرن ونيف، والدنمارك التي تشترك معها في كثير من الأطر الثقافية والتاريخية، تقع في هذه الخانة.
فرحة السويديين، وما يرونه نجاحا في احتواء الجائحة دون اللجوء إلى إجراءات قسرية قاسية، قد لا تدوم. الفيروس المسبب للوباء عصي على القهر.
مع ذلك أرى أن الابتسامة المستترة على شفاه المسؤولين السويديين التي بالكاد يخفيها الآن عن العلن صاحب الوجه العبوس أندش تيكنيل عالم الأوبئة المسؤول عن ملف الجائحة لها ما يبررها.
لا يخفى أن تيكنيل صار اليوم أشهر من نار على علم على مستوى الدنيا، لا ينازعه في صدارته إلا أنتوني فوشي مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية.
العالمان يحتلان مشهد الجائحة في العالم، لكن كل على طريقته الخاصة. بينما تيكنيل يسير في هدى ثقافة وقوانين ودستور ليس في مقدوره تجاوز ما للمرء من حرية فردية وما له من حقوق، فوشي يعمل ضمن نطاق ثقافة وقوانين ودستور يمنح ساكن البيت الأبيض المسؤولية المباشرة في إدارة دفة الدولة والمجتمع وإصدار أوامر تنفيذية متى رأى ذلك من الضرورة بمكان.
لن أستفيض في سرد ما يفرق تيكنيل عن فوشي، لأن هذا قد يحتاج إلى أكثر من مقال، وقد نعرج على ذلك، لكن كثيرون يتساءلون كيف لحكومة ودولة بحجم السويد أن تسلم زمام مكافحة وباء خطير مثل كورونا إلى عالم من علمائها والجلوس جانبا؟.
في السويد هناك نصوص قانونية تعد غير مألوفة (غريبة) على مستوى العالم. هذه النصوص لها أركان عديدة إلا أن أهم ركن فيها هو الحرية الفردية التي تمنح المواطن حق تحمل المسؤولية، شخصية كانت أم لها علاقة بالحفاظ على العقد الاجتماعي والمصلحة العليا للمجتمع.
هذا المبدأ الذي لم ولن تنتهكه الدولة في عصرها الحديث لا يسمح لها بفرض أي من الإجراءات القسرية المتوافرة في أغلب دول العالم على مواطنيها.
والمبدأ الثاني وربما الأهم يتعلق باستقلالية الدوائر "المصلحة أو الهيئة" الحكومية. فدائرة الصحة التي يرأس فيها تيكنيل ملف جائحة كورونا لها حرية التصرف والعمل دون تدخل الحكومة، أو بالأحرى لا يحق للحكومة التدخل في شؤونها. وكذلك الأمر مع البلديات والمقاطعات.
وها هم السويديون يقولون، إنهم يقطفون ثمار الحرية التي يتمتعون بها ولها خلفيات تاريخية واجتماعية وثقافية.
ومن هنا ابتسامتهم المستترة، حيث انحسر الوباء وانحدر معدل الوفيات إلى أعداد فردية، وأخيرا لم تزد على أصابع اليد الواحدة والضحية في الأغلب كبار السن الذين في الـ 90 وما فوق من الأعوام، كل هذا والدولة لم تطبق أيا من الإجراءات القسرية السارية في أغلب بقاع العالم.
مع ذلك، يدعو تيكنيل إلى الحذر والحيطة والابتسامة الخفية لا تفارق وجهه حاليا في ظهوره الإعلامي شبه اليومي، وهو يأتي بأمثلة ليست من السويد التي يبدو أن الحظ قد يحالفها، بل من دول مثل أمريكا وألمانيا والنرويج وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا، حيث الهلع من أن هجمة جديدة للوباء الفتاك على الأبواب.
وهو يردد كثيرا بما يقترب من بعض السخرية أحيانا إن كانت هذه الدول ستقفل وتغلق الأبواب على مواطنيها وحدودها مرة أخرى، فما الأثمان التي ستدفعها هذه المرة؟.
إنشرها