الأكاديمي في مواجهة المجتمع

|

يرتبط لقب أكاديمي باسم الأكاديمية Academy الذي حملته المدرسة التي أنشأها المفكر الإغريقي الشهير أفلاطون Plato في أثينا، في القرن الرابع قبل الميلاد، نحو عام 385 ق م. ويعود أصل الاسم إلى مسمى الحديقة التي أقيمت فيها المدرسة ويربط بعض المؤرخين هذا المسمى باسم أحد أبطال أسطورة طروادة Troy الإغريقية القديمة. ونظرا لأهمية أفلاطون في تاريخ التعليم والفلسفة والقضايا الفكرية، انتشرت كلمة الأكاديمية وارتبط انتشارها بوصف مؤسسات التعليم العالي والعطاء المعرفي من جامعات ومعاهد مختلفة، وبات يطلق على المعلم الباحث في التعليم العالي لقب الأكاديمي.
وطالما أننا نتحدث عن الأكاديمية، لعلنا نذكر أن أفكار رائدها الأول أفلاطون اتسمت بالمثالية ولم تقترب كثيرا من الواقعية، كما كان حال أفكار تلميذه الشهير أرسطو Aristotle. وعلى ذلك يربط كثيرون فكر أفلاطون بالطوباوية Utopia التي ترتبط بفكرة المدينة الفاضلة غير الموجودة، أو حتى غير القابلة للوجود. وينظر كثيرون إلى الأكاديمي على أنه يتمتع بعلم واسع، لكن هذا العلم يرتبط بالجانب النظري، وربما التجريبي أو المخبري، من المعرفة، وليس بالواقع الفعلي المطلوب حسيا على الأرض. وعلى ذلك فإن فكر الأكاديمي، كما يرى هؤلاء، يعاني فجوة مع الواقع تجعله غير قادر على تقديم الفوائد التي يحتاج إليها المجتمع.
ولا تقتصر نظرة كثيرين إلى الأكاديمي على أنه غير واقعي، أو بتعبير أكثر دقة ليس واقعيا بالقدر اللازم، بل إن هناك نظرة أخرى تستحق الإبراز أيضا، ترى أن الأكاديمي يتسم بالبطء في التفكير واتخاذ القرار، أي: يفتقر إلى رشاقة العمل والأداء، وهو بالتالي غير مرغوب فيه في الأعمال التي تتطلب استجابة سريعة. ثم هناك نظرة سلبية ثالثة إلى الأكاديمي تتمثل في القول بمحدودية الأفق لديه في النظر إلى معطيات الحياة، حيث ينحصر فكره بصورة خاصة في موضوع تخصصه وبحوثه، ليبقى حيز نظرته إلى الموضوعات الأخرى في الحياة محدودا، مقابل حيز متضخم لموضوع تخصصه.
أمام هذه الخصائص السلبية الثلاث، يستطيع الأكاديمي الدفاع عن نفسه عبر تحليل كل من هذه الخصائص، وتقديم وجهة نظره فيها. ففي الخاصية السلبية الأولى المرتبطة بالبعد عن الواقع، فإن الطبيعة التقليدية لعمل الأكاديمي تجعله غارقا في قراءة الكتب والأبحاث، مقدما المحاضرات والندوات، ومجريا التجارب في المختبرات وباحثا في الأفكار والتفسيرات ولا وقت في جدوله متاح للتعامل بالقدر الكافي مع قضايا واقع الحياة حتى في تخصصه. والسبب هنا هو قصور في عمل منظومة التعاون بين الجامعات من جهة، والمؤسسات الحكومية والشركات من جهة أخرى. وعلى ذلك فإن مصدر السلبية الأولى للأكاديمي هو بيئة العمل الأكاديمي ذاتها وانفصالها عن بيئة العمل التطبيقي على أرض الواقع. وربما كانت أكاديمية أفلاطون التاريخية تعاني ذلك أيضا حتى اتهمت أفكار صاحبها بالبعد عن الواقعية.
ونأتي إلى الخاصية السلبية الثانية، وهي البطء في التفكير واتخاذ القرار والبعد بالتالي عن الرشاقة في الاستجابة للمتطلبات في المجالات المطروحة. ورد الأكاديمي هنا هو أن البحث العلمي والدراسة المتأنية لأي أمر من الأمور أعمال مطلوبة، والعجلة قد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها. لكن الاستجابة السريعة في كثير من الحالات تكون ضرورة لا بد منها. وهنا تبرز مسألة الدراسات الاستباقية لحالات محتملة ترتبط بالقضايا المهمة، حيث تستغرق هذه الدراسات وقتها البحثي اللازم لتكون نتائجها جاهزة للاستجابة السريعة عند حدوث الحالات المدروسة. بمثل هذه الدراسات الاستباقية يستطيع الأكاديمي أن يدرس ويعد العدة لتحقيق الاستجابة السريعة عند الضرورة.
وإذا أردنا أن نطرح أمثلة على ما سبق، فلعل المثال المهم في هذا المجال هو ذاك الذي أدى إلى بروز علم بحوث العمليات Operations Research خلال الحرب العالمية الثانية. فلأن في الحرب احتمالات عديدة لما يمكن أن يحدث بين المتحاربين في مناطق القتال، استدعت وزارة الدفاع البريطانية عددا من الأكاديميين لدراسة ما يجب فعله في تحركات الجيوش وخطوط إمدادها بالمعدات وتموينها بالمتطلبات في حالات محتملة كثيرة، كي تكون الاستجابة لكل حالة مدروسة مسبقا، وجاهزة بالتالي للاستجابة السريعة. وقد وضع هؤلاء الأكاديميون أصولا لهذه الدراسات، أصبحت تطبق في كثير من المجالات غير العسكرية ذات الوظائف الاحتمالية. ويضاف إلى ما سبق انتشار مراكز التفكير Think-Tanks في بعض الجامعات العالمية وهي تعنى بإجراء دراسات استباقية في شتى المجالات.
ونصل إلى الخاصية السلبية الثالثة وهي محدودية الأفق نتيجة تركيز الأكاديمي على تخصصه وتضخيم دور هذا التخصص مقارنة بالتخصصات الأخرى. الأمر المحمود هنا هو أن التركيز على التخصص يعطي صاحبه أداء أفضل في عمله، لكن إهمال النظر إلى التخصصات الأخرى وأهميتها واحتمالات تكاملها مع تخصص الأكاديمي في إطار نظرة أوسع إلى أمور الحياة يدل على قصور في الثقافة العامة والاطلاع الواسع على شؤون الحياة المختلفة. ولعل بين أسباب مثل هذا القصور الحدود التنظيمية والتشريعية القائمة، في كثير من الجامعات بين الكليات والأقسام المختلفة، ومحدودية البرامج الدراسية والبحوث العلمية المشتركة بين الأقسام والكليات، رغم حاجة المجتمع إليها.
لا شك أن الأكاديمي لم يصبح كذلك إلا لأنه كان متفوقا دراسيا أي: إنه يحمل بعض الصفات الجيدة التي يمكن أن تعزز دوره في المجتمع، ولأنه اجتاز أيضا جميع المراحل الدراسية المتاحة بنجاح. ويحتاج تعزيز هذا الدور إلى التفاعل بين الجامعات من جهة والمؤسسات الحكومية والشركات الخاصة من جهة أخرى، حيث لا يكون عمل الأكاديمي محصورا في الجامعة، بل ممتدا خارجها حيث التفاعل مع المجتمع. ويحتاج تفعيل دور الأكاديمي أيضا إلى مراكز تفكير تهتم بتقديم دراسات استباقية لمشكلات وحالات محتملة، ربما تحدث ويستفاد من دراستها، وربما لا تحدث وتتراكم خبراتها. ويضاف إلى ما سبق، فتح الحدود بين الكليات والأقسام وإقامة برامج دراسية وبحوث مشتركة يحتاج إليها المجتمع في تطلعاته نحو التنمية الشاملة وسعيه إلى التميز فيها.

إنشرها