واقع سوق العمل «2»

|
استكمالا لمقال الأسبوع الماضي حول معوقات وواقع سوق العمل في المملكة التي أدت مع مرور السنين إلى وجود مشكلات هيكلية في سوق العمل، وانتشار بعض الممارسات التي أدت إلى زيادة بطالة السعوديين، والتستر التجاري، وانتشار البضائع الرديئة وضعف خدمات قطاعات السوق.
عدم وجود هيكلة للقطاع الخاص، تحدد احتياج كل نشاط من العاملين ومستويات عملهم، ودخلهم، أدى إلى وجود نسبة كبيرة من الوافدين على مهن لا تتناسب مع مؤهلات طالبي العمل من السعوديين، رغم أن هؤلاء الوافدين يعملون في كل المهن ولا يلتزمون بمهن محددة. ووجود كثير من المشاريع متناهية الصغر التي تؤسس في أنحاء البلاد لا تقوم إلا على العمالة الوافدة رخيصة التكلفة. إضافة إلى عدم قدرة المستثمرين على تشغيل مشاريعهم نتيجة غياب القنوات الاستثمارية التي تتناسب مع شريحة كبيرة من المستثمرين، أدت إلى سيطرة الوافدين على هذه المشاريع، وإيجاد ما يعرف بالتستر التجاري الذي يتسبب في خسارة وطنية للنقد من خلال تحويلات مالية خارجية للوافدين، وحرمان كثير من الشباب والشابات من العمل، وعدم تفعيل خيارات العمل الجزئي.
دأبت وزارة العمل - حاليا - "وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية" على توطين عدد من القطاعات من خلال خططها للتوطين. فشل بعضها، والبعض الآخر لم يحقق الفائدة المرجوة. ومن أهم مشكلات توطين هذه القطاعات هو بقاء الوافدين العاملين في هذه القطاعات في السوق للعمل في الخفاء أو تحولهم لقطاعات أخرى وإخضاعها لسيطرة الوافدين. ولا يتم إنهاء إقامة هؤلاء العاملين ما يعني فعليا بقاءهم في السوق بصورة أو أخرى.
من بين مشكلات سوق العمل أن طبقة كبيرة من العاملين الوافدين فعليا يتقاضون رواتب أقل من رواتب السعوديين، وهنا يمكن القول إن وجود الوافدين في مهن تعد ضعيفة الدخل ليس دليلا على عدم وجود دخل عال، ولكن من خلال السيطرة على هذه القطاعات وانخفاض التكاليف المعيشية للوافدين يؤدي إلى تفضيلهم على المواطنين. وهذه الإشكالية تتمثل في عدم وجود حد أدنى للدخل، ويترتب عليه أيضا عدم وجود حد مقبول للتأهيل والتدريب للعمل في هذه المهن. حسب بيانات التأمينات الاجتماعية يشكل عدد العاملين الوافدين في القطاع الخاص من ذوي الدخل الأقل من ثلاثة آلاف ريال ما يقارب 5.7 مليون عامل، في حين أن هذا المبلغ ليس مغريا للشباب السعودي لعدم توازن المنفعة.
من إشكالات سوق العمل في المملكة وجود سيطرة لجاليات محددة على بعض الأنشطة التجارية، وهذا يوجد فرصة للتستر وإخراج المستثمر السعودي، وبقاء هذه المشاريع في أيدي تلك الجاليات الوافدة التي تتحكم في مفاصل هذه الأنشطة. ويكون من الصعب اختراق هذه التكتلات أو إحلال المواطنين فيها. وهذا يؤدي مع ما قبله إلى عدم تكافؤ الفرص في السوق، والميل للسيطرة الخفية.
للإشارة هنا المقال لا ينتقد وجود الوافدين فلهم دور كبير في تنمية قطاعات الأعمال. ولكن وجودهم يجب ألا يتجاوز المكاسب التي ينتظرها البلد منهم، فوجودهم بشكل ليس دائما، وعمليات إحلالهم بمواطنين ستأتي قريبا أم بعيدا. وفي العدد المقبل نستكمل بعض عوامل تشوه سوق العمل، وآثارها في توطين الوظائف وتعزيز الاقتصاد المحلي.
إنشرها